|
سُقُوط الدُّوَل وَ قِيَامَهَا
إنَّ النّاظر المحلِّل لتاريخ العالم ليُدهَشُ
حقاً من تكرار الأحداث. فإن مراجعة التاريخ لتثبت أن لله سنناً فى الأمم قيامها و
سقوطها، تماماً كسننة فى غليان الماء عند درجة مائة، و أنعكاس الصورة فى المرآة عند
توافر الضوء، و باقى سنن الله فى أرضه. إن كل خلق الله يسير وفق نُظُم و قوانين
دقيقة لا تهتز ولا تتغير. فكما توجد قوانين ثابتة لإنعكاس الضوء عن المرآة حسب
زاوية وقوف الناظر، كذلك توجد ايضا قوانين ثابتة لقيام و سقوط الدول. أى أنّه عند
توافر شروط معيّنة فى مجتمع الدولة الّتى نُطلِق عليها اليوم "نامية" – أى بمصطلح
أدق متخلِّفة – تُصبح هذة الدولة رائدة حتى أنّها قد تقود العالم. و العكس ايضاً
صحيح. و العامل الزمنى ليس مؤثراً من الناحية النظرية البحتة. فلو أن شروط القيام
أو السقوط إنطبقت على دولة ما بين يوم و ليلة لتبدل حالها فوراً. و لو أن التغيُّر
على أرض الواقع يحتاج للوقت. و الأمثلة في هذا كثيرة و موجودة اليوم. فبلاد مثل
ألمانيا و اليابان و إيطاليا و غيرهم من البلاد الَّتي دُمِّرت تماماً حتى سُوِّيت
بالأرض في الحروب العالميَّة، نجدها اليوم من البلاد المتقدِّمة الَّتي تقود العالم
بالرغم من قِصَر المدَّة الَّتي تمَّت فيها مرحلة البناء، و هي فترة زمنيَّة لا
تتجاوز عقود ثلاث أو أربع بين التدمير الشَّامِل و القيام الكامل.
نرى مما سبق أننا نناقش موضوعاً شائكاً. وهو ذا
وجهتين. فمن ناحية هو موضوع تعمَّد المُشركون و عملائهم إخفاءه قدر جهدهم. لذا وجب
علينا بحثة و تمحيصة من الوجوه كافّة، و جمع صحيح المصادر بشتَّى السُّبُل. و من
ناحية أخرى – و هي الأصعب من وجهة نظري – يجب علينا لكى نفهمة أن ننفض عنا غبار
عشرات السنين من الجهل و غسيل الأدمغة، و التفكير السليم غير المُشَوَّش، مُعتمدين
فى ذلك على المصادر الموثوق بها – و ما أقلها في هذة الأيام. لنصل إلى الحقيقة،
لابد لنا فعلاً من أن نكون مستعدِّين لمناقشة و إعادة تحليل أصغر و أدق الحقائق.
تلك التى نعيشها يومياً و نعتبرها من المُسلَّمات.
إن الحقيقة الوحيدة الثَّابتة هي أنَّه لا إله
إلا الله و أنَّ محمَّداً رسول الله، بكل ما يندرج تحتها من مُسَلَّمات أُمِرنا
صراحةً من قِبَل الله عزَّ و جَلّ أن نؤمن بها. لذا فإن من أهم ما نبدأ بة بحثنا هو
التعريف الحقيقي لنا و لأعداء الله. فـ (نحن) لابد أن تُعَرَّف قبل (أعداء الله). و
هذا لنعرف أنفسنا قبل أن نعرف أعداءنا.
المفترض حين نقول "نحن" أننا نعنى
المسلمون. و لكن أى "نحن" من المسلمين نحن حقاً؟ هل نحن مسلموا جيل الرسول صلَّى
الله علية و سلم و صحابتة؟ لا بكل تأكيد. إذن هل نحن كالتّابعين من المسلمين؟
أيضاً لا. إذن أى نوع من المسلمين نحن؟ وما الفارق بيننا و بين الصحابة و
التّابعين؟ الإجابة على هذا السؤال قد تؤدى فى عُجالة سريعة إلى كيف ينبغي أن نكون،
و لو أن هذا ليس هدفنا من هذا الجزء.
الإسلام في أبسَط صُوَرِه معروف للجميع طبعاً.
شهادة ألَّا إله إلا الله و أنَّ مُحَمَّداً رسول الله، إقامة الصلاة، إيتاء
الزكاة، صوم رمضان و حج البيت لمن استطاع لذلك سبيلاً. هذه فروض الإسلام الخمسة
التى تنجي المرء من عذاب الخُلد. و لكن هذه الفُروض على أرض الواقع أوسع بكثير ممّا
يتَّبِعَه كثيرٌ من المسلمين فى الوقت الحالي. فعلى سبيل المثال، إن كان مال المسلم
مصدره حرام، فإنّ أكثر الفروض التي يؤدِّيها –إن لم تكُن جميعها- تكون قد بَطُلَت.
ومن هنا نجِد أن المسلمين – الذين بدأنا الكلام بأفتراض أنهم "نحن" – قد إنقسموا
فِعلِيّاً إلى قِسْمَين. فهناك المسلم الحق، و هناك من يظن نفسه مسلماً و مصيره
راجع إلى الله. إذن لكى ينضم القسمين إلى الـ"نحن" التى نتحدث عنها لابد أن يُراجع
كُلٌّ مِنََّا نفسه ليجتمع المسلمون تحت لواء واحد. و لهذا موضعة الخاص الذى نتحدث
فيه بتفصيل عن هذا الموضوع إن شاء الله.
أمَّا أعداء الله، فهُم
باختِصار شديد – و دون الدُّخول فى تعقيدات كثيرة – كلّ من يحارب المسلمين و
الإسلام. فالذمِّيِّين و أهل الكتاب الذين لم يقاتلوا المسلمين لم ينهنا الله عنهم
أو يأمُرنا بقتالهم. بل أمرنا بحُسن جوارهم و صون اعراضهم و أموالهم، و معاملتهم
بالحسنى؛ لهم ما لنا و عليهم ما علينا. فإذا عادوا المسلمين أو جاروا عليهم، صار
عليهم ما يصير على غيرهم إلى أن يفيئوا إلى الله.
قال أحد الأئمة العظام، إن الله يقيم
الدَّولَة العادلة ولو كانت كافرة، ويمحق الدَّولة الظالمة ولو كانت مسلمة. وهو قول
تثبت الأيام صحَّته ومصداقيته. فالدول المسلمة اليوم تقيم فروض الله في الغالب. أو
في الظاهر على الأقل.فنرى عشرات الآلاف من المساجد يأمُّها المصلون في مشارق العالم
الإسلامي ومغاربه، وتمنع قوانين الدُّوِل الإسلاميَّة ما حرَّم الله وتُحِل ما أحل
الله. ومع هذا نجد تلك الدُّول في هوان عظيم وذُل ما بعده ذُل. هذا ما يبدو للناظر
غير المُلِم بحقيقة الوضع في تلك البلدان. ولكن واقع الأمر في تلك البلدان مخالف
لذلك تماماً، بل وعلى نقيضه. فالرِّشوة والفساد والسَّرِقة قد تفشَّوا في كل ما هو
حكوميّ. والتحايُل والفساد هما السِّمة الغالبة على كل عمل خاص كبر أو صغر. أمَّا
على المُستوَى الفردي فحدِّث ولا حَرَج, فالمرء في هذه البلاد لا يضيع ساعة واحدة
في يومه دون أن يكتسب المئات من السيِّئات ومن لعنات الله والملائكة واللاعنون.
فمنذ الإستيقاظ من نومه يبدأ يومه بترك الصَّلاة، ثم يأكل أو يشرب فلا يسمِّي اسم
الله، ثم هو يتراخى في عمله ويتكاسل ولا يهمُّه إلا يوم الرَّاتب مما يحرِّم ماله
فلا يقبل دعاءه أو صالح عمله. ثم يكون الغالب على يومه الكذب والنَّميمة، ثم
الرِّشوة إذا وجد لذلك سبيلاً -تحت مسمَّيات أخرى طبعاً كالإكراميَّة والحلاوة، إلى
آخر تلك الألفاظ المسكنة للضمير. ثم يعود لمنزله ليسئ معاملة زوجته وأبناءه -والعكس
في حالة المرأة أيضاً من سلاطة اللسان والنَّميمة وهضم حق الزَّوج والأبناء- وذمِّ
النَّاس وسؤ الخُلُق، ثم الإهمال الجسيم في تربية الأبناء وتعليمهم، غير واعين أن
كل ما يفعله أبناءهم اقتضاء بهم هو سنَّة سنُّوها فإمّا حسنة أو سيئة، وهم شركاءهم
في الأجر وذُرِّيتهم أبد الدَّهر سواء بالصَّالِح أو السَّيِّء. وهكذا حتى النَّوم.
ثم يوم آخر ثم آخر وهكذا. ثم أنَّهم تركوا الخلافة التي وحدت الأمة الإسلاميَّة على
مدار القرون، ودعوا بالفرقة والقوميَّات، واتَّبعوا قوانين عامَّة للبلاد وضعها
محتلُّون خُبثاء وضعوا لهم قوانين بشريَّة لم تكن تخدم سوى مصلحتهم كسُلْطَة حاكمة،
وتركوا دستور المسلمين المنزل من الخالق عزّ وجَلّ الَّذي فيه خير البشريَّة،
فعطَّلوا الحدود وابتدعوا البِدَع. ثم هاهم أولاء ينشرون الفساد والإنحلال على
الشَّاشات الصَّغيرة والكبيرة، مما يخدم أهدافهم مباشرة بتغييب الوعي الإسلامي، فلا
يبقى من يطالب بحقه أو حق غيره. ثم أن الهدف الآخر هو أن هذه مطالب الأسياد من
الحكومات العظمى الَّتي لا يهمّها أكثر من إضلال تلك الأُمَّة وتشتيت شملها.
هذا هو الحال في تلك الأمَّة المدعوة إسلاميَّة. فأين هذا من
الإسلام؟ ثم نجترئ على الله فنسأل لم يحدث لنا هذا؟ ولماذا لاتُجاب دعاوانا، وهذه
الأمراض التي تفشَّت فينا البدنيَّة منها والمُجْتَمَعِيَّة من أين جاءت ولماذا
علينا لا على أعداء الدِّين؟
إن كوننا مسلمين قد أقام علينا الحُجَّة أكثر من سوانا. فالمشركين
منهم من علم بالحق ومنهم من لم يعلم، وكلا الفريقين لم يُقِرّ أنَّه الحق عَلِمَه
أم لم يعلمه. أمَّا نحن فقد علمناه ووعيناه وشهدنا على أنفسنا أنَّه الحق من ربنا،
لذا لزم علينا العمل به كلَّه وترك ما نَهَى عنه كلَّه. فإن لم نفعل -ونحن غالباً
لا نفعل- فذنبنا عند الله أكبر وأعظم. فمسألة العقيدة مسألة أُخرَوِيَّة، نحاسب
عليها يوم البعث. أمَّا الدُّنيا فلها سننها وشروطها. فإن عملنا بالسُّنَن الَّتي
ترفع الأُمَم صرنا من عِلْيَة الأُمَم، وإن لم نفعل، فلنتجرَّع الذُّل والهوان
بصمت، ولنعلم ألَّا حق لنا في مطالبة الله أو أيٍّ من البشر أن يرفعنا وقد أنزلنا
أنفسنا منزل الوُضَعاء.
بعد كلِّ ما سبق مما يحبط القارئ بتذكيره بحال المسلمون وبعدهم
الشَّديد عن ربهم ودينهم، يبقى أمامنا أن نتذكَّر أن الله سبحانه لا يُغَيِّر ما
بقوم حتى يُغَيِّروا ما بأنفُسِهِم. فإن أردنا أن نُغَيِّر من حالنا كأُمَّة لابد
لنا أوَّلاً من أن نغيِّر من حالنا كأفراد، ثم كبيوت، ثم كمُجتمعات صغيرة، فبلداناً
ثم كأُمَّة. والطَّرِيق إلى نهضة الأُمَّة يطول أو يقصر بحسب همم السَّائرين. فمن
غير الصَّحيح أن نقول أن الطريق طويل وصعب، وإلَّا عنى هذا أن همَّتنا ضئيلة، ومعنى
هذا ألَّا تقوم لنا قائمة أبد الدَّهر. ثم لابُد لنا من العديد من المشاهدات
والملاحظات للسير على الطَّريق الصَّحيح.
فلنبدأ بأنفسنا إذن. ها أنت قد قرأت. فابدأ بتسمية الله، ثم قم
فأدِّ حقوق الله من صلاة وصيام وزكاة وحج. ثم ردّ المظالِم. فمن أكلت حقَّه بهتاناً
قم فرُدَّ حقَّه كاملاً. واستغفر لمن ذممت واغتبت، ثم استغفر لذنبك وتُب عنه.
وَأَقلِع عن المعاصي فوراً. وتذكَّر أن الإستغفار يجلب سعة الرِّزق، وأن الله يستحي
أن يرد يدَي عبده خائبتين إذا دعاه من قلبه. وأن شكر النِّعمة يزيدها. ثم لا تنسى
الدُّعاء لإخوانك من المسلمين، فلن تستطيع شيئاً وحدك. أفَعَلْت؟ إذن قم فابدأ
بأهلك. فإن كنت رجلاً فقم وأمر أهلك بالصَّلاة وبأداء حقوق الله فوراً، فإنَّك
محاسب عنهم فرداً فرداً وعن ذُرِّيَّتهم إلى يوم البعث. وإن كنتِ امرأةً فقومي
انصحي زوجك وأهلك بالحسنَى، واستخدمي دلالك وكيدك الَّذي وصفه الله في قرآنه أنَّه
عظيم، إستخدميه لجعل زوجك وأبنائك يؤدُّون حقوق الله فتنالي الأجر العظيم بدلاً من
أن يكون سبباً لإدخالك قاغ جهنَّم والعِياذ بالله. وإن كنت شابَّاً فقم وانصح
لأبويك وإخوتك بالحسنى وبلا لجاجة. واذكر أن الله لا يرضى عن عاق لوالديه أبداً حتى
يفيء. والزم القرآن ولو بجزب أو صفحة واحدة يوميَّاً، ولا تغيِّر هذا أبد الدَّهر.
ولا تنس إخلاص نيَّتك لله في كل عمل وتجديد النيَّة كل يوم بقلبك. وأدِّ عملك على
أكمل وجه ليحل مالك فتستجاب دعوتك. والزم حسن الخُلُق يحبك النَّاس ويستمعوا لفولك.
وانجح في حياتك يقتضوا بك.
ثم ما أن يكتمل بيتك، فقم وادعُ أصدقاءك وجيرانك لسبيل الله.
واستخدم ذكاءك وحنكتك في تقريبهم من الله سبخانه. واذكر دائماً أن مجتمعك بأكمله
بعيد عن الله كل البعد، فلا تتعجل النتائج ولا تقنط واصبر. أدخِل ذكر الله في
مواضيع نقاشاتك مع جيرانك وأصدقاءك كلما وجدت لذلك سبيلاً، واستعذ بالله واستعن به
يعينك على نفسك وعلى من تريد. فما أن تبدأ النتائج بالإثمار، فعلِّم أصدقاءك دينهم،
واشرح لهم تجربتك النَّاجِحة ليأخذوا بدورهم بأيدي غيرهم، ويكون لك مثل ثوابهم
كاملاً إن شاء الله لأنَّك كنت سبباً في هدايتهم.
فإن قمت بكل ذلك فقد قمت بما عليك، وابدأ من جديد مع آخرين ليزداد
ثوابك وترتفع درجاتك. فانظر إن أمكنك أن تجمع أصدقاء الخير وابدؤا عملاً فيه صدقة
جارية لكم تنالون بها الثواب العظيم. زوروا بعض ملاجئ الأيتام ووزِّعوا الطعام
والهدايا، أو اكفل يتيم في بيتك أو حتى في ملجئه. أنشئوا جمعية خيرية لإصلاح أحوال
المسلمين. تعلَّموا القرآن وعلِّموه للنَّاس. وابدأوا بالأقربين دائماً، ثم وسِّعوا
محيط دائرة عملكم.
قد تقول وأنت تقرأ هذا الكلام: ما علاقة هذا كلُّه بنهضة الأُمَّة
ورُقِيَّها؟ إن هي إلا أعمال دينيَّة خيريَّة. لكنك ستعجب أيَّما عجب أين سيقودك
هذا كلُّه. فالدِّين والدُّنيا لا يفترقان أبداً. تخيَّل أن كل من هذه الأعمال فيه
لدنياك كما لأُخراك. فكل من تلك الأعمال -وغيرها كثير- ينشِّط جانباً دنيويَّاً
ويرفع من الأمَّة بطريقة ما. فإن أدَّيت عملك بشكل جيد، زاد إنتاج أمَّتك وعلى
شأنها. وإن كفلت يتيماً -بالطريقة الصَّحيحة لا بالإنفاق فقط- أخرجت إلى الأُمَّة
شخصاً قادراً على رفع درجاتها. وإن التزمت حسن الخُلُق مع من حولك، اقتضوا بك وصار
الجميع من ذوي الخُلُق الحسن مما يزيد التسامح بين النَّاس ويقضي على البغضاء
الَّتي تدفع بالأمَّة جميعها إلى الوراء. وقبل كل هذا، فأنت كمؤمن موحِّد بالله إن
أدَّيت حقوق الله عليك، وجبت لك رحمة الله ومغفرته في الدُّنيا والآخرة. وإن الله
ليصلح حال أمَّة كاملة بسبب بعض الصَّالحين فيها.
إن أصبت فبتوفيق من الله و فضل. و إن أخطأت فمن
نفسي و من الشّيطان.
سبحان الله و تعالى عمّا يشركون. و سلامٌ على
المُرسلين. و الحمد لله رب العالمين.
أحمد الشُّورة
راسل الكاتب
العودة إلى المَقَالاَت
|