|
السِّحْر
خلق الله سبحانه و تعالى الدُّنيا بما فيها، و جعل لها سُنَناً و
قوانين تُتَّبع لتقع الأحداث. فمن سنن الله في كونه مثلاً، أن الزَّمن يمر و لا
يرجع. و من سُنَنِه أيضاً أن يغلي الماء عند درجة مائة مئويّة. و أيضاً أن النجوم و
الكواكب تجري في أفلاك دقيقة تتغيَّر بمعدَّلات محسوبة بدقَّة مُتناهية غير معروفة
للبشر. كُلّ هذه القوانين و السُّنَن تجري بأمر من الله سبحانه. و خلق الله سبحانه
و تعالى مفاتيح لتغيير أو تحويل هذه القوانين و السُّنَن.
لقد خلق الله الكون كلّه، فإن شاء جلَّ و على أن يخلق خلقاً جديداً
أو يُغَيِّر في أحد السُّنَن أو القوانين فهو قادر على كلِّ شئ. و قد سخَّرَ الله سبحانه بعض تلك القوانين الكونيّة لبعض خلقه وفق مشيئته.
فمثلاً، علَّم سليمان عليه السَّلام كيف يُسَخِّر الجن و الرِّياح و يفهم لغة
الدَّواب إلى آخر معجِزات النَّبي الكريم عليه السَّلام. فالمعجزة ليست إلا حِياداً
عن القوانين الطَّبيعيَّة بما لا يحدث في الحياة العاديَّة.
فقد جعل جلَّ شأنَه و عَلَت قُدْرَتَه لهذه السُّنَنُ و القوانين
مفاتيحاً لتغييرها و تفاديها. و أعطى بعض مفاتيح تلك السُّنَن لبعض من خَلْقِه
كُلٌّ حسب الحاجة. و من هنا المعجزات و الخوارق في الكون.
كان من عادة الجن قبل ميلاد رسول الله صلَّى الله عليه و سلَّم، أن
يسيحوا في السَّماء فيسترقون السَّمع على أهل السَّماء. فيستمعون إلى أحد الملائكة
و هو ينقل أمراً من الله لمَلَك آخر مثلاً، فيُسرِعون عائدين إلى الأرض ليُخبِروا
الكَهَنَة و العرَّافين بهذا الأمر. فيُسرع هؤلاء بدورهم بنقل هذا إلى عامَّة
النَّاس. و عندما يَقَعُ الأمر وفق مشيئة الله، يظن النَّاس أن الكهنة يعلموت
الغيب، و يظن الكهنة بدورهم إلى أن الشَّياطين يعلمون الغيب. و من هنا اطمأنَّ
الناس للكهنة، و اطمأنَّ الكهنة للشياطين. فلمَّا وثق الشَّياطين من ذلك، بدأوا
يضيفون إلى ما ينقلون إلى الكهنة ما يُناسب مصالحهم الشََّخصِيَّة، و ما يؤدِّي إلى
ضلال النَّاس و فتنتهم عن دينهم. و ظلُّوا على هذا الحال إلى أن صاروا يُضيفون
لكلِّ كلمة صادِقة يسمعونها، سبعين كلمة من عندهم. و من هنا مصداق حديث الرَّسول
صلَّى الله عليه و سلَّم: "كَذِبَ المُنَجِّمونَ وَ لَوْ
صَدَقُوا."
و ممَّا كان الشَّياطين يستمعون إليه -بداهةً- هو بعض تلك المفاتيح
الكونيَّة يتناقلها أهل السَّماء. فنقلوا بعضاً منها لكهنتهم. و لكن لظروف إستماعهم
غير الطَّبيعيَّة نتيجة استراق السَّمع، كانت تلك المفاتيح تصل ناقِصة و مشوَّهة. و
بالتَّالي لم تكن تؤدِّي كامل وظيفتها، أو لا تؤدِّيها بالشكل المنشود. هذا
بالإضافة لابتلاء الله بعض النَّاس في بعض العصور عن طريق تعليم مَلَكَيّ بابل
هاروت و ماروت النَّاس السِّحر.
و السِّحر هو صورة دُنيا لمفاتيح كونيَّة. أو هو مفاتيح لسُنَن
معيَّنة، و ليس لكل السُنَن. و تكمن قوَّة السَّاجر في عدد تلك المفاتيح الَّتي
يملكها.
مُدير الموقِع
راسل الكاتب
العودة إلى المَقَالاَت
|