|
شخصيّات إسلاميّة
/
مُحَمَّد بِن يُوسُف
مُحَمَّد بِن يُوسُف
في القرن السادس الهجرى -الثاني عشر
الميلادي- و في مدينة غرناطة الأندلسية، عاش محمد بن
يوسف السقطة التي بدت أنها الأخيرة للأندلس. ففي العقد الأخير من النصف الأول للقرن
الثاني عشر الميلادي، كانت الأندلس و ما حولها قد تفشى فيها الفساد، و انقسمت إلى
ممالك عديدة صغيرة لا خير يرجى منها. و كل من استطاع تجميع بعض الأنصار حوله، انفصل
بجزء من الأرض، و ولّى نفسه إمارة المؤمنين. و كأنما لم يكتفوا بذلك، فأخذ كل منهم
يجيّش الجيوش و يدعوا في شعبه للجهاد. و لكن الجهاد ضد من؟ ضد المسلمين المقيمين في
الممالك الأندلسية المجاورة!
و من وسط تلك الظلمة الحالكة، سطعت
بارقة أمل. فبينما كان الناس يرزحون تحت طغبان حكامهم المسلمون -مع الأسف- الذين لم
يعد يهمهم من أمر الإسلام شيئا -اللهم إلا أن يبقيهم في
حكمهم- بينما ذاك هو الحال، مات أمير غرناطة -أقوى بلاد
الأندلس- و لم يترك خليفة على الحكم. فأسرع الشاب محمد بن يوسف و بعض العقلاء
المتبقين في البلاد للإمساك بزمام الأمور في غرناطة و "المرية" المجاورة.
و كان محمد بن يوسف -الذي عرف أيضا
بابن الأحمر بسبب لون شعره- شابا مؤمنا قويا، و كان يفكر
دائما في ما وصلت إليه أحوال المسلمين، و يتمنى أن يغير
من حال أمته حتى حانت له الفرصة. و كان بن الأحمر رزينا، تبدوا في محياه آثار
النبوغ و الحذق. و كان الناس بحاجة لمثله، فتوحدوا تحت لوائه. فأقام فيهم العدل و
حكم فيهم بشرع الله، و بدأت غرناطة بالنمو و الازدهار سريعا.
و بعد أقل من أربعة أعوام، و في عام
1244م، بدأ ملك قشتالة -و هي إحدى أقوى دولتين نصرانيتين في الأندس- "فرديناند
الثالث"، بدأ ينتبه إلى خطورة الموقف. فهذا الأحمر يوحد الصفوف و تزدهر الدولة
الإسلامية الصغيرة تحت لوائه، مما يقض مضجع فرديناند، و يقلص آماله في الاستيلاء
على البقية الباقية من دويلات المسلمين الهزيلة. فجيّش الجيوش و أرسلها للقضاء على
بن الأحمر و الاستيلاء على غرناطة.
و سبحان الله، فبالرغم من ضعف الدولة المسلمة
التي لم يكتمل نموها بعد، فقد انهزم جيش القشاليين، و تحطم على أسوار غرناطة، و فر
عائدا يجر أذيال الخيبة.
فلما وصلت الآنباء لفرديناند الثالث، غلى الدم
في عروقه، و قرر التوجه بنفسه للاستيلاء على غرناطة و قتل محمد بن الأحمر. فاستنفر
شعبه باسم الصليب، و أرسل الخطباء و القساوسة يلهبون دماء أبناء قشتالة و يحرضونهم
على القتال. و فعلا تجمع للجيش القشتالي أعدادا لا تحصى، و توجه بنفسه يقود هذه
الجيوش الجرارة لسحق غرناطة.
وهنا نقف لحظة لنرى كيف تصرف بن الأحمر حين علم بما
دبره فرديناند الثالث. فأين له بمواجهة هذه الجيوش الجرارة ؟ ووجد بن الأحمر نفسه
في مأزق حرج يتطلب الحكمة و الدهاء؛ لأن دولة صغيرة ناشئة كدولته لا يمكن أن تقف
أمام دولة راسخة الأقدام كدولة قشتالة الّتي يحكمها فرديناند. و لم تكن العقبة في
عدد الجيشان. فكم من مرة هزم المسلمون أعداءهم و هم أقل منهم عدة وعتادا. و لكن
المشكلة الحقيقية هي كون شعب غرناطة ما يزال بعيدا عن الله و عن دينه. فإذا تساوى
الجيشان في الذنوب و المعاصي، كانت الغلبة للأكثر عدة و عتادا، أي لقشتالة.
قرر بن الأحمر أمرا عجيبا. إنه سيستسلم لـفرديناند،
وسيعلن له طاعته وولاءه. وسيوهمه بأنه سيدفع له الجزية صاغرًا ، حتى يعود فرديناند
بجيوشه، وبعدها ما يكون. وفعلاً أوهم " فرديناند " بالصلح، و قبل شروطه. و عاد
فرديناند إلى بلاده مزهوًا بالنصر الذي حققه و بغرناطة التي استسلمت له بدون تعب.
و لعشر سنوات متواصلة، وصل
المسلمون الليل بالنهار، و بذلوا وقتهم و جهدهم لإعلاء الدولة، و الاستعداد لحرب
مريرة مقبلة. و انتهج بن الأحمر الطريق السليم. فلم يعبئ جيوشا أو يجهز عتادا. بل
بدأ بإصلاح النفوس و نشر تعاليم الدين، و الثقافة و التعليم للشعب كله، و بعد هذه
السنوات العشر، نجد غرناطة مختلفة تماما. فهي منيعة الحصون، قوية الجيوش، حديثة
العتاد. و لكن ما يدهش المدقق حقا، هو الاختلاف الجوهري في أسلوب الحياة. فشعب
غرناطة بأكمله تحول من الدعة و الشقاق، إلى
شعب متحد متساند، ليس همه أن ينال منصبـًا أو
جاهـًا، وإنما كل همه الاتحاد والأمل في لقاء أعدائه وأعداء دينه النصرانيين، و
الظفر منهم بإحدى الحسنيين: النصر أو الشهادة.
ولم يطل انتظار هذا اليوم. فما إن رأى محمد بن
الأحمر القدرة من شعبه، حتى رفض دفع الجزية لـفرديناند، و أعلن الخروج على
النصرانيين. و سرعان ما أعد بن الأحمر جيشـًا قويـًا استعان في تكوينه بأصدقائه من
"بنو مرين" وكثير من ملوك المغرب، وقام بتحصين مملكته على خير ما يكون، واستعد
استعدادًا تامـًا للمعركة الفاصلة. وأقبلت جيوش النصرانيين تتهادى مختالة متبخترة ،
وكأني بها قد ظنت أن كل الأيام لها أو أنها قد أخذت على الشيطان عهدًا بالنصر في كل
المعارك.
و بدأت المعركة بين الجيشين. و ضرب الأمير الأحمر مثلا للبطولة و
الفداء و هو يتقدم جيشه صائلا و جائلا، يجهز
على صفوف الأعداء و يضرب فيها ذات اليمين وذات الشمال، و صيحات (الله أكبر) لا
تنقطع. ومضى الوقت. الساعة تلو الساعة ، و بن الأحمر لا يدري كم مضى وكم بقي، وإنما
الذي يعيه جيدًا أنه أمام عدو الله، و لابد من القضاء عليه. ومضى في المعركة
مسترسلاً فيها فما أوقفه إلا صوت يصيح به: "كفى يا أميري، فما بقي منهم أحد". فصاح
به بن الأحمر: "هل انجلت المعركة حقـًا أيها الجندي؟" "نعم يا سيدي القائد. انتصرنا
والحمد لله. ولقد ولى الكفار الأدبار." فصاح القائد من شدة فرحه: "الله أكبر، الله
أكبر". فهتف المسلمون وراءه: "الله أكبر، الله أكبر".
فسجل تاريخ الأندلس صفحة جديدة. صفحة امتدت أكثر من
قرنين من الزمان. صفحة الأمير الأحمر في غرناطة.
فوالله لو شاء الله، و ظهر من بين المسلمين في
كل بلد أمير أحمر واحد في كل قرن، لما ذاق المسلمون للذل و الهوان طعما أبدا. فلم
يظهر في المسلمين أبدا حاكم عادل، إلا و أظهرهم الله على سائر الأرض. فتلك هي سنة
الله في أرضه. و لن تجد لسنة الله تبديلا. و لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما
بأنفسهم. فأفيقوا أيها المسلمون رحمكم الله،، و ابدؤا بأنفسكم و كفانا ذلا و هوانا.
الفِهْرِس
|