|
شخصيّات إسلاميّة
/ عُمَر بنِ عَبْدِ العَزِيز
عُمَر بنِ عَبْدِ العَزِيز
العالِمُ الزَّاهِد
هو عمر بن عبد العزيز
بن مروان بن الحكم، الخليفة الزاهد العادل، الراشد الخامس ، مُجَدّد القرن الثاني.
و كان مضرب الأمثال في الزهد و الصلاح و العدل و الورع.
بُويِعَ عمر بالخلافة
بعهد من سليمان بن عبد الملك وهو ابن عمه، فتسلم الخلافة سنة 99 هـ، ومكث فيها
سنتين وخمسة أشهر فقط، ملأ الأرض فيها عدلاً، و رد المظالم إلى أصحابها، وسلك مسلك
الخلفاء الراشدين، و أحيا الله به السنن التي تُركت، وقمع به البدع التي انتشرت.
أوّل ما نرى عمراً و قد أُبلغ خبر توليته الخلافة، نراه في المسجد
منفطراً من البكاء.
فأقامه
العلماء على المنبر و هو يرتجف، حتّى أوقفوه أمام الناس، فما استطاع الحديث من
كثرة البكاء. قال: بيعتكم بأعناقكم، لا أريد خلافتكم، فبكى الناس وقالوا: لا نريد
إلا أنت. فطفق يتحدث. فذكر الموت، وذكر لقاء الله، وذكر مصارع الغابرين، حتى بكى كل
من بالمسجد.
يقول رجاء بن حيوة: "و
الله لقد كنت أنظر إلى جدران مسجد بني أمية و نحن نبكي، هل تبكي معنا". ثم نزل،
فقربوا له المَراكب والموكب كما كان يُفعل بسلفه، فقال: "لا. إنما أنا رجل من
المسلمين، غير أني أكثر المسلمين حِملاً وعبئاً ومسئولية أمام الله، قربوا لي بغلتي
فحسب. فركب بغلته، و انطلق إلى بيته. فنزل عن قصره، و تصدق بأثاثه ومتاعه على فقراء
المسلمين. ثم نزل في غرفة في دمشق أمام الناس؛ ليكون قريبًا من المساكين و الفقراء
و الأرامل. ثم استدعى زوجته فاطمة بنت الخلفاء و أخت الخلفاء، زوجة الخليفة، فقال
لها: يا فاطمة، إني قد وُلّيت أمر أمة محمد عليه الصلاة و السلام - و تعلمون أن
الخارطة التي كان يحكمها عمر، تمتد من السند شرقًا إلى الرباط غربًا، ومن تركستان
شمالاً، إلى جنوب أفريقيا جنوبًا - قال: فإن كنت تريدين الله و الدار الآخرة،
فسلّمي حُليّك و ذهبك إلى بيت المال، و إن كنت تريدين الدنيا، فتعالي أمتعك متاعاً
حسنًا، فاذهبي إلى بيت أبيك. قالت: لا و الله. الحياة حياتُك، و الموت موتُك.
فأسلمت متاعها و حليّها و ذهبها، فرفَعَه إلى ميزانية المسلمين.
وكان يستشعر عظم
المهمة التي حملها فكان بعد رجوعه من جنازة سليمان مغتمًا فسأله مولاه : مالي أراك
مغتمًا ؟ قال : لمثل ما أنا فيه فليُغتم. ليس أحد من الأُمّة إلا وأنا أريد أن أوصل
إليه حقه غير كاتب إليّ فيه ولا طالبه مني. و ذات يوم دخلت عليه زوجُهُ و هو في
مُُصلاه تسيل دموعه على لحيته. فقالت يا أمير المؤمنين، ألشيء حدث؟ قال: يا فاطمة
إني تقلدت من أمر أمة محمد صلى الله عليه و سلم أسوَدَها و أحمَرَها. فتفكرت في
الفقير الجائع و المريض الضائع و العاري و المجهود و المظلوم و المقهور و الغريب و
الأسير و الشيخ الكبير و ذي العيال الكثير و المال القليل و أشباههم في أقطار الأرض
و أطراف البلاد، فعلمت أن ربّي سائلي عنهم يوم القيامة فخشيت ألا تثبت لي حجة
فبكيت.
كان أول مرسوم اتخذه، عزل الوزراء الخونة الظلمة الغشمة، الذين كانوا في عهد
سليمان. فقال لشريك بن عرضاء (و هو منهم): اغرُب عني يا ظالم. رأيتك تُجلس الناس في
الشمس، و تجلد أبشارهم بالسّياط، و تُجوّعهم و أنت في الخيام و الإستبرق. و في أحد
المواقف كتب إليه واليه على خُراسان و اسمه الجراح بن عبد الله يقول: إن أهل
خُراسان قوم ساءت رعيتهم، و إنه لا يصلحهم إلا السيف و السّوط. فإن رأى أمير
المؤمنين أن يأذن لي في ذلك. فكتب إليه عمر: أمّا بعد، فقد بلغني كتابك تذكُرُ أنّ
أهل خُراسان قد ساءت رعيتهم و إنه لا يصلحهم إلا السيف و السوط، فقد كذبت. بل
يصلحهم العدل و الحق فابسط ذلك فيهم و السلام.
و قد انتشر العدل في
عهده و عمّ الرخاء و كثر المال حتّى تحققن نبؤة الرسول صلّى الله عليه و سلّم في
عهده، فكان المسلمون لا يجدون من يخرجون زكاتهم و صدقاتهم له من استغناء النّاس
كافة. و توفي عمر بن عبد العزيز من أثر السم بدير سمعان (بحمص) سنة 101 هـ في 24
رجب ، و له من العمر 39 سنة.
الفِهْرِس
|