|
شخصيّات
إسلاميّة / هارون الرشيد
هَارُون الرَّشِيد
الخليفة المُفتَرى عليه
من عظماء أمتنا الذين
طأطأ الروم رؤوسهم له، وأحنوا هاماتهم رهبة له، ذلكم هو الخليفة المجاهد هارون
الرشيد، ذلك الرجل الذي حاول أعداء تاريخنا و أذنابهم أن يصوروه بصورة شارب الخمر
الماجن، صاحب الجواري الحسان و الليالي الحمراء، العسوف الظلوم، مع أنه كان من أعظم
خلفاء الدولة العباسية جهادا و غزوا و اهتماما بالعلم والعلماء. و بالرغم من هذا
كله أشاعوا عنه الأكاذيب و أنه لا هم له سوى الجواري و الخمر و السكر، و نسجوا في
ذلك القصص الخرافية و الحكايات الواهية.
قال ابن خلكان
عنه في كتابه وفيات الأعيان: "كان من أنبل الخلفاء و أحشم الملوك، ذا حج و جهاد و
غزو و شجاعة و رأي".
نسبه ومولده
هو أبو جعفر هارون بن المهدي محمد بن
المنصور أبي جعفر عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس الهاشمي العباسيّ. و
كان مولده بالري حين كان أبوه أميرا عليها و على خُرا سان في سنة ثمان و أربعين و
مائة. و أمه أم ولد تسمى الخيزران و هى أم الهادي. عرف بالشجاعة و القوة، و قاد
الحملات في عهد أبيه، و بعد لم يتجاوز العشرين.
توليه الخلافة
وُلّي الخلافة بعهد معقود له بعد الهادي
من أبيهما المهدي، في ليلة السبت السادس عشر من ربيع الأول سنة سبعين و مائة. و كان
يُكنى أبا موسى، فتكنى بأبي جعفر.
عبـادتـه:
ذكر الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد:
[وحكى بعض أصحابه أنه كان يصلي في كل يوم مئة ركعة إلى أن فارق الدنيا، إلا أن يعرض
له علة، و كان يتصدق في كل يوم من صلب ماله بألف درهم، و كان إذا حجّ، أحجّ معه مئة
من الفقهاء و أبنائهم، و إذا لم يحجّ أحجّ في كل سنة ثلاثمئة رجل بالنفقة السابغة و
الكسوة الظاهرة].
و قد أحصى المسعودي سنوات حجه بالناس فكانت: 170، 173، 174، 175، 176، 177، 178،
179، 181، 186، 188هـ .
و قال الذهبي في التاريخ: [سنة تسع و سبعين و مئة، و فيها اعتمر الرشيد في رمضان، و
دام على إحرامه إلى أن حج. و مشى من بيوته إلى عرفات]. و قال أبو الفدا في المختصر:
[ثم دخلت سنة ثلاث و سبعين و مئة، و فيها حجّ الرشيد و أحرم من بغداد]. و قال
الغزالي في فضائح الباطنية: "و قد حُكي عن إبراهيم بن عبد الله الخراساني أنه قال:
حججت مع أبي سنة حج الرشيد، فإذا نحن بالرشيد و هو واقف حاسرٌ حافٍ على الحصباء، و
قد رفع يديه و هو يرتعد و يبكي، و يقول يا رب. أنت أنت و أنا أنا. أنا العوّاد إلى
الذنب و أنت العوّاد إلى المغفرة، اغفر لي."
غزارة دمعه عند الموعظة
قال منصور بن عمار: ما رأيت أغزر دمعا
عند الذكر من ثلاثة الفضيل بن عياض و الرشيد و آخر. و رُوىَ أن ابن السماك دخل على
الرشيد يوما، فاستسقى. فأتى بكوز. فلما أخذه، قال على رسلك يا أمير المؤمنين. لو
منعت هذه الشربة بكم كنت تشتريها؟ قال: بنصف ملكي. قال: اشرب هنأك الله تعالى. فلما
شربها قال: أسألك لو منعت خروجها من بدنك، بماذا كنت تشترى خروجها؟ قال: بجميع
ملكي. قال: إن ملكا قيمته شربة ماء و بولة لجدير أن لا ينافس فيه. فبكى هارون
الرشيد بكاء شديدا.
و قال ابن الجوزي: "قال الرشيد لشيبان: عظني. قال: لأن تصحب من يخوفك حتى يدركك
الأمن خير لك من أن تصحب من يؤمنك حتى يدركك الخوف. فقال الرشيد: فسر لي هذا. قال:
من يقول لك أنت مسئول عن الرعية فاتق الله أنصح لك ممن يقول أنتم أهل بيت مغفور لكم
و أنتم قرابة نبيكم صلى الله عليه و آله و سلم. فبكى الرشيد حتى رحمه من حوله.
حبه للسنة و توقيره للعلماء
كان الرشيد يحب العلماء و يعظم حرمات
الدين و يبغض الجدال و الكلام. و قال القاضي الفاضل في بعض رسائله: ما أعلم أن لملك
رحلة قط في طلب العلم إلا للرشيد فإنه رحل بولديه الأمين و المأمون لسماع الموطأ
على مالك رحمه الله.
و لما بلغه موت عبد الله ابن المبارك حزن عليه و
جلس للعزاء فعزاه الأكابر. قال أبو معاوية الضرير ما ذكرت النبي صلى الله عليه وسلم
بين يدي الرشيد إلا قال صلى الله على سيدي ورويت له حديثه "وددت أني أقاتل في سبيل
الله فأقتل ثم أحيى ثم أقتل" فبكى حتى انتحب. و عن خرزاذ العابد قال: حدث أبو
معاوية الرشيد بحديث احتج آدم و موسى. فقال: رجل شريف فأين لقيه. فغضب الرشيد و قال
النطع و السيف. زنديق يطعن في الحديث. فما زال أبو معاوية يسكنه و يقول بادرة منه
يا أمير المؤمنين حتى سكن.
و أخرج ابن عساكر عن ابن علية قال، أخذ هارون
الرشيد زنديقا فأمر بضرب عنقه. فقال له الزنديق: لم تضرب عنقي؟ قال له: أريح العباد
منك. قال: فأين أنت من ألف حديث وضعتها على رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم
كلها ما فيها حرف نطق به؟ قال: فأين أنت يا عدو الله من أبى إسحاق الفزارى و عبد
الله بن المبارك ينخلانها فيخرجانها حرفا حرفا.
و كان العلماء يبادلونه التقدير. رُوي عن الفضيل بن
عياض أنه قال: ما من نفس تموت أشد عليّ موتا من أمير المؤمنين هارون. و لوددت أن
الله زاد من عمري في عمره. قال: فكبُر ذلك علينا. فلما مات هارون و ظهرت الفتن و
كان من المأمون ما حمل الناس على القول بخلق القرآن، قلنا: الشيخ كان أعلم بما
تكلم.
بين هارون ونقفور
في سنة سبع و ثمانين و مائة، جاء للرشيد كتاب من
ملك الروم نقفور بنقض الهدنة التي كانت عقدت بين المسلمين وبين الملكة ريني ملكة
الروم. و نصّ الكتاب: [من نقفور ملك الروم إلى هارون ملك العرب. أما بعد، فإن
الملكة التي كانت قبلي أقامتك مقام الرخ و أقامت نفسها مقام البيذق، فحملت إليك من
أموالها ما كنت حقيقاً بحمل أضعافه إليها، و ذلك لضعف النساء و حمقهن. فإذا قرأت
كتابي فاردد ما حصل قبلك من أموالها و إلا فالسيف بيننا و بينك.] فلما قرأ الرشيد
الكتاب استشاط غضبا حتى ما تمكن أحد أن ينظر إلى وجهه فضلاً أن يخاطبه. و تفرق
جلساؤه من الخوف. و استعجم الرأي على الوزير. فدعا الرشيد بدواة و كتب على ظهر
كتابه" "بسم الله الرحمن الرحيم. من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم. قد
قرأت كتابك يا ابن الكافرة، و الجواب ما تراه لا ما تسمعه." ثم سار ليومه فلم يزل
حتى نزل مدينة هرقل. و كانت غزوة مشهورة و فتحا مبينا. فطلب نقفور الموادعة، و
التزم بخراج يحمله كل سنة.
و أسند الصولى عن يعقوب بن جعفر قال: "خرج الرشيد في السنة التي ولى الخلافة فيها
حتى غزا أطراف الروم. و انصرف في شعبان، فحج بالناس آخر السنة، و فرق بالحرمين مالا
كثيرا. و كان رأى النبي صلى الله عليه و آله وسلم في النوم فقال له: إن هذا الأمر
صائر إليك في هذا الشهر، فاغز و حج و وسّع على أهل الحرمين. ففعل هذا كله.
و قد مات الرشـيد أثناء غـزوه الروم. قال السـيوطي في تاريـخ الخـلفاء: مات الرشـيد
في الغـزو بطوس من خراسان .
و دفن بها في ثالث من جمادى الآخرة سنة ثلاث و تسعين و مائة هجرية، و له خمس
وأربعون سنة.
الفِهْرِس
|