|
الصَّلِيب والإِنْجِيل
التكامل الديني نظير
التكامل القومي تماماً
ما وصلت
إليه أمة من الأمم إلى المدنية والتكامل التام عقيب
انتباهها طفرة ، بل لابد للوصول
إلى المدنية التامة من اجتياز ثلاثة انقلابات . لنتصور أمة
بدوية أو تحت نير غيرها
، كيف يمكن أن تصل إلى المدنية أمة مبتلاه بالجهل والفقر
والمظالم ؟ ينبغي أولاً
إيقاظ هذه الأمة وسوقها إلى التربية القومية تدريجاً من حيث
لا تشعر ، وعندما يثنيه
شعورها القومي وتظهر فيها فكرة وحدة الوطن تبتدى باجتياز
المرحلة الثانية فينفتح
أمامها باب الحكم الذاتي فتسعى من طريق الاستقلال الإداري
إلى إعداد الأسباب
الموصلة إلى الاستقلال التام ، وبعد أن يحضر ويتهيأ لها كل
شيء تنهض لكسر نير
الأجنبي ولإعلان الاستقلال المطلق ، وحينئذ تدخل باب
المدنية التامة لتنال السعادة
والمدنية ، مثال ذلك أمة البلغار ، كانت أولاً في دور الأسر
ثم انتقلت إلى الحكم
الذاتي الإداري وأخيراً نالت الحرية والاستقلال التام
.
وإذا أمعنا النظر في كل
دين من الأديان نراه يصادف ثلاثة أدوار من
الانقلابات أيضاً لكي يتكامل ، ولا يمكن
أن يتكامل أي دين في أول نشأته ، والأديان المؤسسة
من لدن بوذاو كونفوشيوس محكوم
عليها بالانقلاب جديد أخير . أن ديني بوذا وكونفوشيوس نشأ
من دين براهمن الهند
القديم ، ولم يصلا حتى الآن إلى آخر خطوة من التكامل ،
والعيسوية دين منقلب عن
الموسوية ، أي أن الدين نفسه انتقل إلى الدور الثاني بواسطة
الانقلاب . وكذلك
الزردشتية والبوذية دينان قد انقلبا من الأديان القديمة
التي كانت في حالة الطفولة
والصبا ، فكل هذه الأديان وفي ضمنها العيسوية مجبورة لابد
لها من انقلاب ثالث
قطعي. وان صحائف القرآن تثبت أن الإسلام ليس بدين جديد ، بل
هو دين متمم ومكمل
للعيسوية والموسوية على الأخص ، وحائز على صفة الحياة إلى
يوم القيامة ومن أهم ما
يستلفت نظري في استقراء مباحثي الدينية فكرة المحافظة
والارتجاع ، كما هو الحال في
الحكومات، أي كما أن هناك قوة تمانع كل انقلاب ، وان
المرتجعين في كل انقلاب ديني
يخاصمون القائمين بالانقلاب ويشهرون الحرب عليهم كذلك جاء
المسيح عليه السلام ولم
تقبله اليهود المرتجعة ، وجاء محمد صلى الله عليه وسلم ولم
يقبله المسيحيون
المرتجعون ، ولكن من القوانين الطبيعية أن يكون المرتجعون
دائماً مغلوبين. ليس بين علماء اليهود من يستطيع أن يدعي بان كتاب العهد القديم
كتاب كاف
لتشكيل دين جامع لكل الأمم . أن هذا الادعاء مما يستحقر عزة انفس الأقوام
والأمم الأخرى
، نحن نقدس التوراة لأنه كتاب من الله يحتوي على بيانات والهامات خاصة
لهداية وإرشاد قوم خاص. وكذلك نطالع كتب الدين
للصينيين والهنود والفارسيين بكل
احترام ، ويمكننا أن نشاهد في جميعها بعض الحقائق والأوامر
والنواهي الإلهية ، لان
الله لم يترك أمة بغير إمام أو حكيم أو نبي ، وقد أرسل من
قبل الله إلى كل أمة
مرشدون ومعلمون وأنبياء .
ولهذا فلو اجتمع اليهود والبوذيون والكونفشيوسيون
والمجوس بمحل واحد ، فانهم لا يستطيعون تبادل
الأفكار عن وحدة الدين ، ولا يمكن أن
يوجد الاتحاد بين هذه الأديان قطعاً، ولا يمكن أن
يكون كتاب أحدهم كتاباً عاماً
للجميع أي أن يكون الكتاب هو الكتاب الوحيد للأديان الأربعة
، ولابد من كتاب آخر
لأجل إيصالهم إلى تربية أخلاقية ودينية هو اكثر تدقيقاً
واكثر اتساعاً ، فأي دين
غير دين الإسلام له مثل ذلك الكتاب بشكل كتاب منزل من الله
؟ يجب الإنصاف .
ان
المسيح عليه السلام لم يترك ولا سطراً واحداً بهيئة كتاب ،
وإذا ادعوا ذلك فليخرجوه
بأي لسان كتب؟ وماذا كتب ؟ والى من فوض ما كتب ؟ حتى ولو
وضعنا كتب العهد الجديد
في صف الكتب المقدسة ، لا يمكن أن يكون مجموع الكتب
المذكورة كتاب الله الكافي
لتشكيل دين عام ، هذه الكتب تشتمل على عقائد وتعاليم تدمي
قلب اليهودي وتؤذي
احساساته الدينية ، لم تكن الكتب الإنجيلية في وقت ما مظهر
التوجه والرغبة تجاه
الأديان الموجودة في آسية . فالفرس بقوا دائماً متبعين
لكتاب زردشت المسمى (زنده
اويسته) ونظروا إلى العيسوية بنظر النفرة . وأهل الصين
والهند لا يرون العهد الجديد
كافياً كالعهد القديم، إنما ظهرت الكتب المذكورة (كتب العهد
الجديد) مناسبة
للأقوام الغربية المتشبعة أفكارهم بفلسفة اليونان القديمة ،
ولم تكن لا أسفاراً
وجدت باللغة اليونانية وصبغت بالفلسفة النئويلطونية
.
فها نحن أولاء نرى انه لا
يمكن ولا يتصور دين عام جامع للبشر غير الإسلام ،
ولا كتاب باسم الله غير القرآن
الكريم ، أن الكتب الإنجيلية - مع الأسف - قد استعاضت عن أن
تسوق البشر إلى الرقي ،
إلى الانقلاب الديني ، إلى التكامل في دين موسى ، بان سارت
بهم القهقري فرجعوا إلى
الوراء ، فبعد أن مات الإسكندر والقياصرة الرومانيون
واليونانيون القدماء الكفار(الوثنيون)، إذا بإله اللاتين واليونان الكاثوليك
والأرثوذكس الجديد قد تجسد في هيئة
طفل يهودي واكل وشرب وتاجر وبعد أن تعلم صنعة التجارة صلب
وقتل من قبل اليهود ، ثم
صار يؤكل ويشرب كل يوم في جميع الكنائس والمعابد التي تبلغ
نصف مليون (؟) فكيف
تفتقر الموسوية وسائر الأديان الشرقية - التي تشعر بحاجتها
إلى التكامل والارتقاء
الديني - إلى مثل العيسوية المضطرب دينها إلى هذه الدرجة ؟
تصرف جماعات المبشرين
منذ أربعمائة
سنة في خزائن من النقود تحت مؤازرة كل حكومات أوربا (وأمريكا) ولكنهم
لم يستطيعوا أن
يزحزحوا أفكار الأقوام الشرقية عن مكاتبها الدينية . زد على ذلك أن
الاحساسات
الدينية في أوربا وأمريكا آخذة في التفسخ وفساد الأخلاق يتكاثر ، وبينما
الموحدون من
جهة واللادينيون من جهة أخرى يهجمون على المسيحية نرى المبشرين منهمكين
في نشر الكتب
المقدسة ومواظبين على الوعظ بها.
السَّابِق
الفهرس
التّالي |