|
هِدَايَة الحَيَارَى
محمد برأ المسيح وأمه من افتراء أعدائهما
وأنزله المنزلة العالية ونزه الله عن افتراء المثلثة عليه
فهذه
أقوال أعداء المسيح من اليهود، والغالين فيه من النصارى، فبعث الله محمدا صلى
الله عليه وسلم، وبما أزال الشبهة في أمره، وكشف الغمة، وبرأ المسيح وأمه من
افتراء اليهود وبهتهم، وكذبهم عليهما، ونزه رب العالمين، وخالق المسيح وأمه،
مما افتراه عليه النصارى الذين سبوه أعظم السب.
فأنزل
المسيح أخاه بالمنزلة التي أنزله الله بها، وهي أشرف منازله، فآمن به، وصدقه،
وشهد له بأنه عبد الله، ورسوله، وروحه، وكلمته ألقاها إلى مريم، العذراء،
البتول، الطاهرة، الصديقة، سيدة نساء العالمين، في زمانها، وقرر معجزات المسيح،
وآياته، وأخبر عن ربه تعالى بتخليد من كفر بالمسيح في النار، وأن ربه تعالى
أكرم عبده ورسوله، ونزهه وصانه أن ينال النصارى منه ما زعمته النصارى، أنهم
نالوه منه.
بل
رفعه إليه مؤيدا منصورا، لم يشكه أعداؤه بشوكة، ولا نالته أيديهم بأذى، فرفعه
إليه، وأسكنه سماءه، وسيعيده إلى الأرض، ينتقم به من مسيح الضلال، وأتباعه، ثم
يكسر به الصليب، ويقتل به الخنزير، ويعلي به الإسلام، وينصر به ملة أخيه، وأولى
الناس به محمد عليهما أفضل الصلاة والسلام.
فإذا
وضع هذا القول في المسيح في كفة، وقول النصارى، تبين لكل من له أدنى مسكة من
عقل، ما بينهما من التفاوت، وأن تفاوتهما كتفاوت ما بينه، وبين قول اليهود فيه،
وبالله التوفيق...
فلولا
محمد صلى الله عليه وسلم، لما عرفنا أن المسيح ابن مريم الذي هو رسول الله،
وعبده، وكلمته، وروحه موجود أصلا؛ فإنّ هذا المسيح الذي أثبته اليهود، من شرار
خلق الله، ليس بمسيح الهدى، والمسيح الذي أثبته النصارى، من أبطل الباطل، لا
يمكن وجوده في عقل، ولا فطرة، ويستحيل أن يدخل في الوجود أعظم استحالة.
ولو صح
وجوده، لبطلت أدلة العقول، ولم يبق لأحد ثقة، بمعقول أصلا؛ فإن استحالة وجوده،
فوق استحالة جميع المحالات، ولو صح ما يقول لبطل العالم، واضمحلت السموات
والأرض، وعدمت الملائكة، والعرش، والكرسي، ولم يكن بعث ولا نشور، ولا جنة، ولا
نار.
ولا
يستعجب من إطباق أمة الضلال، الذين شهد الله أنهم أضل من الأنعام على ذلك، فكل
باطل في الوجود ينسب إلى أمة من الأمم فإنها مطبقة عليه، وقد تقدم ذكر إطباق
الأمم العظيمة، التي لا يحصيها إلا الله، على الكفر والضلال، معاينة الآيات
البينات، فللنصارى أسوة بإخوانهم من أهل الشرك، والضلال!
النصارى تلقوا أصول دينهم عن أصحاب المجامع.
(10)
مجامع لعلماء النصارى يكفر فيها ببعضهم ببعض ويلعن بعضهم بعضا، قصة المسيح قبل
بعثه وبعده إلى أن رفع وما لاقى أتباعه من اليهود والقياصرة
(فصل) استنادهم في دينهم إلى أصحاب المجامع
في ذكر
استنادهم في دينهم إلى أصحاب ((المجامع)) الذين كفر بعضهم بعضا، وتلقيهم أصول
دينهم عنهم، ونحن نذكر الآن الأمر كيف ابتدأ، وتوسط، وانتهى، حتى كأنك تراه
عيانا.
كان
الله سبحانه قد بشر بالمسيح على ألسنة أنبيائه من لدن موسى إلى زمن داود، ومن
بعده من الأنبياء، وأكثر الأنبياء تبشيرا به داود، وكانت اليهود تنتظره، وتصدق
به قبل مبعثه، فلما بعث كفروا به بغيا، وحسدا، وشردوه في البلاد، وطردوه،
وحبسوه، وهموا بقتله مرارا إلى أن أجمعوا على القبض عليه، وعلى قتله، فصانه
الله، وأنقذه من أيديهم، ولم يهنه بأيديهم، وشبه لهم بأنهم صلبوه، ولم يصلبوه،
كما قال تعالى:
(وبكفرهم، وقولهم على مريم بهتانا عظيما، وقولهم: إنا قتلنا المسيح عيسى ابن
مريم، رسول الله، وما قتلوه، وما صلبوه، ولكن شبه لهم، وإن الذين اختلفوا فيه
لفي شك منه، ما لهم به من علم، إلا اتباع الظن، وما قتلوه يقينا بل رفعه الله
إليه، وكان الله عزيزا حكيما).
وقد
اختلف في معنى قوله:(ولكن شبه لهم) فقيل: المعنى، ولكن شبه للذين صلبوه، بأن
ألقى شبهه على غيره، فصلبوا الشبه، وقيل: المعنى: ولكن شبه النصارى، أي حصلت
لهم الشبهة في أمره، وليس لهم علم، بأنه ما قتل، وما صلب.
ولكن
لما قال أعداؤه: أنهم قتلوه، وصلبوه، واتفق رفعه من الأرض، وقعت الشبهة في
أمره، وصدقهم النصارى في صلبه لتتم الشناعة عليهم، وكيف ما كان فالمسيح صلوات
الله وسلامه عليه، لم يقتل، ولم يصلب يقينا لا شك فيه.
ثم
تفرق الحواريون في البلاد بعد رفعه على دينه، ومنهاجه يدعون الأمم إلى توحيد
الله، ودينه، والإيمان بعبده ورسوله، ومسيحه، فدخل كثير من الناس في دينه، ما
بين ظاهر مشهور، ومختف مستور، وأعداء الله اليهود في غاية الشدة والأذى لأصحابه
وأتباعه، ولقي تلاميذ المسيح، وأتباعه من اليهود، ومن الروم شدة شديدة من قتل،
وعذاب، وتشريد، وحبس، وغير ذلك.
وكان
اليهود في زمن المسيح في ذمة الروم، وكانوا ملوكا عليهم، وكتب نائب الملك ببيت
المقدس إلى الملك يعلمه بأمر المسيح، وتلاميذه، وما يفعل من العجائب الكثيرة،
من إبراء الأكمه، والأبرص، وإحياء الموتى، فهمّ إن يؤمن به، ويتبع دينه، فلم
يتابعه أصحابه، ثم هلك وولى بعده ملك آخر، فكان شديدا على تلامذة المسيح.
ثم مات
وولي بعده آخر، وفي زمنه كتب ((مرقس)) إنجيله بالعبرانية، وفي زمانه صار إلى
الإسكندرية، فدعا إلى الإيمان بالمسيح، وهو أول شخص جعل بتركا على الإسكندرية،
وصير معه اثني عشر قسيسا على عدة نقباء بني إسرائيل في زمن موسى، وأمرهم إذا
مات البترك أن يختاروا من الاثني عشر واحدا يجعلونه مكانه، ويضع الاثني عشر
أيديهم على رأسه، ويبركونه.
ثم
يختارون رجلا فاضلا قسيسا يصيرونه تمام العدة، ولم يزل أمر القوم كذلك إلى زمن
قسطنطين.
ثم
انقطع هذا الرسم، واصطلحوا على أن ينصبوا البترك من أي بلد كان من أولئك
القسيسين، أو من غيرهم، ثم سموه ((بابا)) ومعناه: أبو الآباء، وخرج ((مرقس))
إلى برقة يدعو الناس إلى دين المسيح.
ثم ملك
آخر، فأهاج على أتباع المسيح الشر والبلاء، وأخذهم بأنواع العذاب، وفي عصره كتب
((بطرس)) رئيس الحواريين إنجيل مرقس عنه بالرومية، ونسبه إلى ((مرقس)).
وفي
عصره كتب ((لوقا)) إنجيله بالرومية لرجل شريف من عظماء الروم، وكتب له
الأبركسيس الذي فيه أخبار التلاميذ.
وفي
زمنه صلب ((بطرس)) وزعموا أن بطرس قال له: إن أردت أن تصلبني، فاصلبني منكسا،
لئلا أكون مثل سيدي المسيح، فإنه صلب قائما، وضرب عنق ((بولس)) بالسيف، وأقام
بعد صعود المسيح اثنين وعشرين سنة.
وأقام
((مرقس)) بالإسكندرية، وبرقة سبع سنين يدعو الناس إلى الإيمان بالمسيح.
ثم قتل
بالإسكندرية، وأحرق جسده بالنار، ثم استمرت القياصرة ملوك الروم على هذه السيرة
إلى أن ملك مصر قيصر يسمى ((طيطس)) فخرب بيت المقدس بعد المسيح بسبعين سنة بعد
أن حاصرها، وأصاب أهلها جوع عظيم، وقتل من كان بها من ذكر وأنثى، حتى كانوا
يشقون بطون الحبالى، ويضربون بأطفالهن الصخور، وخرب المدينة، وأضرم فيها النار،
وأحصى القتلى على يده، فبلغوا ثلاثة آلاف ألف.
ثم ملك
ملوك آخرون فكان منهم واحد شديد على اليهود جدا، فبلغوه أن النصارى يقولون: أن
المسيح ملكهم، وأن ملكه يدوم إلى آخر الدهر، فاشتد غضبه، وأمر بقتل النصارى،
وأن لا يبقى في ملكه نصراني، وكان ((يوحنا)) صاحب الإنجيل هناك، فهرب، ثم أمر
الملك بإكرامهم، وترك الاعتراض عليهم.
ثم ملك
بعده آخر، فأثار على النصارى بلاء عظيما، وقتل بترك أنطاكية برومية، وقتل أسقف
بيت المقدس، وصلبه، وله يومئذ مائة وعشرون سنة، وأمر باستعباد النصارى، فاشتد
عليهم البلاء إلى أن رحمتهم الروم، وقال له وزراؤه:
أن لهم
دينا وشريعة، وأنه لا يحل استعبادهم، فكف عنهم، وفي عصره كتب ((يوحنا)) إنجيله
بالرومية، وفي ذلك العصر رجع اليهود إلى بيت المقدس، فلما كثروا، وامتلأت منهم
المدينة عزموا على أن يملكوا منهم ملكا، فبلغ الخبر قيصر، فوجه إليهم جيشا،
فقتل منهم من لا يحصى.
ثم ملك
بعده آخر، وأخذ الناس بعبادة الأصنام، وقتل من النصارى خلقا كثيرا، ثم ملك بعده
ابنه، وفي زمانه قتل اليهود ببيت المقدس قتلا ذريعا، وخرب بيت المقدس، وهرب
اليهود إلى مصر، وإلى الشام، والجبال، والأغوار، وتقطّعوا في الأرض.
وأمر
الملك أن لا يسكن بالمدينة يهودي، وأن يقتل اليهود ويستأصلوا، وأن يكن المدينة
اليونانيون، وامتلأت بيت المقدس من اليونانيين، والنصارى ذمة تحت أيديهم،
فرأوهم يأتون إلى مزبله هناك فيصلون فيها، فمنعوهم من ذلك، وبنوا على المزبلة
هيكلا باسم ((الزهرة)) فلم يمكن النصارى بعد ذلك قربان ذلك الموضع.
ثم هلك
هذا الملك، وقام بعده آخر، فنصب يهودا أسقفا على بيت المقدس، قال ابن البطريق:
فمن يعقوب أسقف بيت المقدس الأول إلى يهودا أسقفه، هكذا كانت الأساقفة الذين
على بيت المقدس كلهم مختونين.
ثم ولي
بعده آخر، وأثار على النصارى بلاء شديدا، وحربا طويلا، ووقع في أيامه قحط شديد،
كاد الناس أن يهلكوا، فسألوا النصارى أن يبتهلوا إلى إلههم فدعوا، وابتهلوا إلى
الله، فمطروا، وارتفع عنهم القحط، والوباء.
قال
ابن البطريق: وفي زمانه كتب بترك الإسكندرية إلى أسقف بيت المقدس، وبترك
أنطاكية، وبترك رومية، في كتاب فصح النصارى وصومهم، وكيف يستخرج من فصح اليهود،
فوضعوا فيها كتبا على ما هي اليوم، قال: وذلك أن النصارى كانوا بعد صعود المسيح
إذا عيدوا عيد الغطاس من الغد يصومون أربعين يوما، ويفطرون كما فعل المسيح،
لأنه لما اعتمد بالأردن، خرج إلى البرية.
فأقام
بها أربعين يوما، وكان النصارى إذا أفصح اليهود، عيدوا هم الفصح، فوضع هؤلاء
البتاركة حسابا للفصح، ليكون فطرهم يوم الفصح، وكان المسيح يعيد مع اليهود في
عيدهم، واستمر على ذلك أصحابه إلى أن ابتدعوا تغيير الصوم، فلم يصوموا عقيب
الغطاس، بل نقلوا الصوم إلى وقت لا يكون عيدهم مع اليهود.
ثم مات
ذلك الملك، وقام بعده آخر، وفي زمنه كان ((جالينوس)) وفي زمنه ظهرت الفرس،
وغلبت على بابل، وآمد، وفارس.
وتملك
أزدشير بن بابك في أصطخر، وهو أول ملك، ملك على فارس في المدة الثانية.
ثم مات
قيصر، وقام بعده آخر ثم آخر، وكان شديدا على النصارى، عذّبهم عذابا عظيما، وقتل
خلقا كثيرا منهم، وقتل كل عالم فيهم، ثم قتل من كان بمصر، والإسكندرية من
النصارى، وهدم الكنائس، وبنى بالإسكندرية هيكلا، وسماه هيكل ((الآلهة)).
ثم قام
بعده قيصر آخر، ثم آخر، وكانت النصارى في زمنه في هدوء وسلامة، وكانت أمة تحب
النصارى.
ثم قام
بعده آخر، فأثار على النصارى بلاء عظيما، وقتل منهم خلقا كثيرا، وأخذ الناس
بعبادة الأصنام، وقتل من الأساقفة خلقا كثيرا، وقتل بترك أنطاكية، فلما سمع
بترك بيت المقدس بقتله هرب، وترك الكرسي.
ثم
هلك، وقام بعده آخر ثم آخر.
وفي
أيام هذا ظهر ((ماني)) الكذاب، وزعم أنه نبي، وكان كثير الحيل والمخاريق، فأخذه
بهرام ملك الفرس، فشقه نصفين، وأخذ من أتباعه مائتي رجل، فغرس رؤوسهم في الطين
منكسين حتى ماتوا.
ثم قام
من بعده ((فيلبس)) فآمن بالمسيح، فوثب عليه بعض قواده، فقتله.
ثم قام
بعده ((دانقيوس)) ويسمى: دقيانوس، فلقي النصارى منه بلاء عظيما، وقتل منهم ما
لا يحصى، وقتل بترك رومية، وبنى هيكلا عظيما، وجعل فيه الأصنام، وأمر أن يسجد
لها، ويذبح لها، ومن لم يفعل قتل، فقتل خلقا كثيرا من النصارى، وصلبوا على
الهيكل، واتخذ من أولاد عظماء المدينة سبعة غلمان، فجعلهم خاصته، وقدّمهم على
جميع من عنده، وكانوا لا يسجدون للأصنام، فأعلم الملك بخبرهم، فحبسهم.
ثم
أطلقهم، وخرج إلى مخرج له، فأخذ الفتية كل مالهم، فتصدقوا به، ثم خرجوا إلى جبل
فيه كهف كبير، فاختفوا فيه، وصب الله عليهم النعاس، فناموا كالأموات، وأمر
الملك أن يبنى عليهم باب الكهف ليموتوا، فأخذ قائد من قواده صفيحة من نحاس،
فكتب فيها أسماءهم، وقصتهم مع دقيانوس، وصيّرها في صندوف من نحاس، ودفنه داخل
الكهف وسده. ثم مات الملك.
بولس أول من ابتدع اللاهوت والناسوت في شأن
المسيح
ثم قام
بعده قيصر آخر، وفي زمنه جعل في أنطاكية بتركا مسمى ((بولس الشمشاطي)) وهو أول
من ابتدع في شأن المسيح اللاهوت والناسوت، وكانت النصارى قبله كلمتهم واحدة،
أنه عبد، رسول، مخلوق، مصنوع، مربوب، لا يختلف فيه اثنان منهم، فقال بولس هذا -
وهو أول من أفسد دين النصارى -:
أن
سيدنا المسيح خلق من اللاهوت إنسانا كواحد منا في جوهره، وأن ابتداء الابن من
مريم، وأنه اصطفى ليكون مخلصا للجوهر، الإنسي صحبته النعمة الإلهية، فحلت فيه
بالمحبة والمشيئة، ولذلك سمى ابن الله، وقال: أن الله جوهر واحد، وأقنوم واحد.
المجمع
الأول
قال
سعيد بن البطريق: وبعد موته اجتمع ثلاثة عشر أسقفا في مدينة أنطاكية، ونظروا في
مقالة ((بولس)) فأوجبوا عليه اللعن، فلعنوه، ولعنوا من يقول بقوله، وانصرفوا.
ثم قام
قيصر آخر، فكانت النصارى في زمنه يصلون في المطامير، والبيوت، فزعا من الروم،
ولم يكن بترك الإسكندرية يظهر خوفا أن يقتل، فقام بارون بتركا، فلم يزل يداري
الورم، حتى بنى بالإسكندرية كنيسة.
ثم قام
قياصرة أخر، منهم اثنان تملكا على الروم إحدى وعشرين سنة، فأثارا على النصارى
بلاء عظيما، وعذابا أليما، وشدة تجل عن الوصف من القتل، والعذاب، واستباحة
الحريم، والأموال، وقتل ألوف مؤلفة من النصارى، وعذبوا ((مارجرجس)) أصناف
العذاب، ثم قتلوه، وفي زمنهما ضربت عنق ((بطرس)) بترك الإسكندرية، وكان له
تلميذان.
وكان
في زمنه ((أريوس)) يقول: إن الأب وحده، الله، الفرد، الصمد، والابن مخلوق،
مصنوع، وقد كان الأب إذ لم يكن الابن)) فقال ((بطرس)) لتلميذيه: إن المسيح لعن
((أريوس)) فاحذرا أن تقبلا قوله؛ فإني رأيت المسيح في النوم، مشقوق الثوب،
فقلت: يا سيدي!من شق ثوبك؟
فقال
لي: ((أريوس)) فاحذروا أن تقبلوه، أو يدخل معكم الكنيسة، وبعد قتل ((بطرس))
بخمس سنين، صير أحد تلميذيه بتركا على الإسكندرية، فأقام ستة أشهر، ومات، ولما
جرى على أريوس ما جرى أظهر أنه قد رجع عن مقالته، فقبله هذا البترك، وأدخله
الكنيسة، وجعله قسيسا.
ثم قام
قيصر آخر، فجعل يتطلب النصارى، ويقتلهم حتى صب الله عليه النقمة فهلك شر هلكة.
ثم قام
بعده قيصران:
(أحدهما): ملك الشام، وأرض الروم، وبعض الشرق.
(والآخر): رومية، وما جاورها، وكانا كالسباع الضارية على النصارى، فعلا بهم من
القتل، والسبي، والجلاء، ما لم يفعله بهم ملك قبله.
وملك
معهما ((قسطنطين)) أبو قسطنطين، وكان دينا يبغض الأصنام، محبا للنصارى، فخرج
إلى ناحية الجزيرة، والرها، فنزل في قرية من قرى الرها، فرأى امرأة جميلة، يقال
لها: ((هيلانة)) وكانت قد تنصرت على يدي أسقف الرها، وتعلمت قراءة الكتب،
فخطبها قسطنطين من أبيها، فزوجه إياها، فحبلت منه، وولدت قسطنطين، فتربى
بالرها، وتعلم حكمة اليونان، وكان جميل الوجه، قليل الشر، محبا للحكمة.
وكان
((عليانوس)) ملك الروم حينئذ، رجلا فاجرا، شديد البأس، مبغضا للنصارى جدا، كثير
القتل فيهم، محبا للنساء، لم يترك للنصارى بنتا جميلة، إلا أفسدها، وكذلك
أصحابه.
وكان
النصارى في جهد جهيد معه، فبلغه خبر قسطنطين، وأنه غلام هاد، قليل الشر، كثير
العلم، وأخبره المنجمون، والكهنة، أنه سيملك ملكا عظيما، فهمّ بقتله، فهرب
قسطنطين من الرها، ووصل إلى أبيه، فسلم إليه الملك.
ثم مات
أبوه، وصب الله على ((عليانوس)) أنواعا من البلاء، حتى تعجب الناس مما ناله،
ورحمه أعداؤه مما حلّ به، فرجع إلى نفسه، وقال: لعل هذا بسبب ظلم النصارى، فكتب
إلى جميع عماله، أن يطلقوا النصارى من الحبوس، وأن يكرموهم، ويسألوهم أن يدعوا
له في صلواتهم.
فوهب
الله له العافية، ورجع إلى أفضل ما كان عليه من الصحة، والقوة، فلما صح وقوي،
رجع إلى شر مما كان عليه، وكتب إلى عماله أن يقتلوا النصارى، ولا يدعوا في
مملكته نصرانيا، ولا يسكنوا له مدينة، ولا قرية، فكان القتلى يحملون على العجل،
ويرمى بهم في البحر، والصحارى.
وأما
((قيصر الأخر)) الذي كان معه، فكان شديدا على النصارى، واستعبد من كان برومية
من النصارى، ونهب أموالهم، وقتل رجالهم، ونساءهم، وصبيانهم.
أول من ابتدع شارة الصليب قسطنطين
فلما
سمع أهل رومية بقسطنطين، وأنه مبغض للشر، محب للخير، وأن أهل مملكته معه في
هدو، وسلامة، كتب رؤساءهم إليه يسئلونه أن يخلصهم من عبودية ملكهم، فلما قرأ
كتبهم اغتم غما شديدا، وبقي متحيرا لا يدري كيف يصنع.
قال
سعيد بن البطريق: فظهر له على ما يزعم النصارى، نصف النهار في السماء ((صليب))
من كوكب مكتوبا حوله: ((بهذا تغلب)) فقال لأصحابه: رأيتم ما رأيت؟ قالوا: نعم،
فآمن حينئذ بالنصرانية، فتجهز لمحاربة قيصر المذكور، وصنع صليبا كبيرا من ذهب،
وصيّره على رأس البند، وخرج بأصحابه، فأعطي النصر على قيصر، فقتل من أصحابه
مقتلة عظيمة.
وهرب
الملك ومن بقي من أصحابه، فخرج أهل رومية إلى قسطنطين بالأكليل الذهب، وبكل
أنواع اللهو، واللعب، فتلقوه، وفرحوا به فرحا عظيما، فلما دخل المدينة أكرم
النصارى، وردهم إلى بلادهم بعد النفي، والتشريد، وأقام أهل رومية سبعة أيام،
يعيّدون للملك، وللصليب.
فلما
سمع عليانوس جمع جموعه، وتجهز للقتال مع قسطنطين، فلما وقعت العين في العين،
انهزموا، وأخذتهم السيوف، وأفلت عليانوس، فلم يزل من قرية إلى قرية، حتى وصل
إلى بلده، فجمع السحرة، والكهنة، والعرافين الذين كان يحبهم، ويقبل منهم، فضرب
أعناقهم لئلا يقعوا في يد قسطنطين، وأمر ببناء الكنائس.
وأقام
في كل بلد من بيت المال الخراج فيما تعمل به أبنية الكنائس، وقام بدين
النصرانية، حتى ضرب بجرانه في زمانه، فلما تم له خمس عشر سنة من ملكه، حاج
النصارى في أمر المسيح، واضطربوا.
فأمر
بالمجمع في مدينة نيقية، وهي التي رتبت فيها ((الأمانة)) بعد هذا المجمع، كما
سيأتي، فأراد أريوس أن يدخل معهم، فمنعه بترك الإسكندرية، وقال: على أن بطرسا،
قال لهم: أن الله لعن أريوس فلا تقبلوه، ولا تدخلوه الكنيسة، وكان على مدينة
أسيوط، من عمل مصر أسقف يقول: بقول أريوس، فلعنه أيضا، وكان بالإسكندرية هيكل
عظيم، على اسم زحل، وكان فيه صنم من نحاس: يسمى ميكائيل.
وكان
أهل مصر، والإسكندرية، في اثني عشر يوما من شهر هتور، وهو تشرين الثاني، يعيدون
لذلك الصنم عيدا عظيما، ويذبحون له الذبائح الكثيرة، فلما ظهرت النصرانية
بالإسكندرية، أراد بتركها أن يكسر الصنم، ويبطل الذبائح له، فامتنع عليه أهلها،
فاحتال عليهم بحيلة وقال: لو جعلتم هذا العيد لميكائيل، ملك الله، لكان أولى،
فإن هذا الصنم، لا ينفع، ولا يضر)) فأجابوه إلى ذلك، فكسر الصنم، وجعل منه
صليبا،
وسمى
الهيكل: كنيسة ميكائيل، فلما منع بترك الإسكندرية أريوس من دخول الكنيسة، ولعنه
خرج أريوس مستعديا عليه، ومعه أسقفان فاستغاثوا إلى قسطنطين، وقال أريوس: أنه
تعدى علي، وأخرجني من الكنيسة ظلما، وسئل الملك أن يشخص بترك الإسكندرية،
يناظره قدام الملك، فوجه قسطنطين برسول إلى الإسكندرية، فأشخص البترك، وجمع
بينه وبين أريوس ليناظره.
فقال
قسطنطين لأريوس: اشرح ((مقالتك)) قال أريوس: أقول أن الأب كان إذا لم يكن
الابن، ثم إنه أحدث الابن فكان كلمة له، إلا أنه محدث مخلوق، ثم فوض الأمر إلى
ذلك الابن المسمى كلمة، فكان هو خالق السموات، والأرض، وما بينهما، كما
قال في إنجيله أن يقول:
((وهب
لي سلطانا على السماء، والأرض)) فكان هو الخالق لهما بما أعطي من ذلك، ثم إن
الكلمة تجسدت من مريم العذراء، ومن روح القدس، فصار ذلك مسيحا واحدا، فالمسيح
الآن معنيان: كلمة، وجسد، إلا أنهما جميعا مخلوقان.
فأجابه: عند ذلك بترك الإسكندرية، وقال: تخبرنا الآن، أيما أوجب علينا عندك
عبادة من خلقنا، أو عبادة من لم يخلقنا؟ قال أريوس: بل عبادة من خلقنا، فقال له
البترك: فإن كان خالقنا الابن كما وصفت، وكان الابن مخلوقا، فعادة الابن
المخلوق، أوجب من عبادة الأب، الذي ليس بخالق بل تصير عبادة الأب، الذي خلق
الابن كفرا، وعبادة الابن المخلوق إيمانا، وذلك من أقبح الأقاويل
فاستحسن الملك، وكل من حضر مقالة البترك، وشنع عندهم مقالة أريوس، ودارت بينهما
أيضاً مسائل كثيرة، فأمر قسطنطين البترك أن يكفر أريوس، وكل من قال بمقالته،
فقال له: بل يوجه الملك بشخص للبتاركة، والأساقفة، حتى يكون لنا مجمع، ونصنع
فيه قضية، ويكفر أريوس ويشرح الدين، ويوضحه للناس.
المجمع
الثاني: وفيه وضعوا الأمانة
فبعث
قسطنطين الملك إلى جميع البلدان، فجمع البتاركة، والأساقفة، فاجتمع في مدينة
نيقية، بعد سنة وشهرين ألفان وثمانية وأربعون أسقفا.
فكانوا
مختلفي الآراء، مختلفي الأديان:
فمنهم
من يقول: المسيح، ومريم إلهان من دون الله، وهم ((المريمانية)).
ومنهم
من يقول: المسيح من الأب، بمنزلة شعلة نار، تعلقت من شعلة نار، فلم ينقص
الأولى، لإيقاد الثانية منها.
ومنهم
من كان يقول: لم تحبل مريم لتسعة أشهر، وإنما مر نور في بطن مريم، كما يمر
الماء في الميزاب؛ لأن كلمة الله دخلت من أذنها، وخرجت من حيث يخرج الولد من
ساعتها، وهذه ((مقالة الباد وأشياعه)).
ومنهم
من كان يقول: أن المسيح إنسان خلق من اللاهوت، كواحد منا في جوهره، وأن ابتداء
الابن من مريم، وأنه اصطفي ليكون مخلصا للجواهر إلا نسية، صحبته النعمة
الإلهية، فحلت منه بالمحبة، والمشيئة.
فلذلك
سمى ابن الله، ويقولون: إن الله جوهر واحد، وأقنوم واحد، ويسمونه بثلاثة أسماء،
ولا يؤمنون بالكلمة، ولا بروح القدس، وهذه ((مقالة بولس وأشياعه)).
ومنهم
من كان يقول: ثلاثة آلهة، لم تزل صالح، وطالح، وعدل، بينهما هذه ((مقالة مرقيون
وأشياعه)).
ومنهم
من كان يقول: ربنا هو المسيح، وهي مقالة ((ثلاثمائة وثمانية عشر أسقفا)).
قال
ابن البطريق: ولما سمع قسطنطين الملك مقالتهم، عجب من ذلك، وأخلى لهم دارا،
وتقدم لهم بالإكرام، والضيافة، وأمرهم أن يتناظروا فيما بينهم، لينظر من معه
الحق، فيتبعه، فاتفق منهم ثلاثمائة وثمانية عشر أسقفا على دين واحد، ورأى واحد،
وناظروا بقية الأساقفة المختلفين، ففلجوا عليهم في المناظرة، وكان باقي
الأساقفة مختلفي الآراء، والأديان، فصنع الملك للثلاثمائة والثمانية عشر أسقفا
مجلسا عظيما، وجلس في وسطه، وأخذ خاتمه، وسيفه، وقضيبه.
فدفع
ذلك إليهم، وقال لهم: قد سلطتكم اليوم على المملكة، فاصنعوا ما بدا لكم، وما
ينبغي لكم، أن تضيعوا ما فيه قوام الدين، وصلاح الأمة، فباركوا على الملك،
وقلدوه سيفه، وقالوا له: أظهر دين النصرانية، وذب عنه، ووضعوا له أربعين كتابا،
فيها السنن، والشرائع، وفيها ما يصلح أن يعمل به الأساقفة، وما يصلح للملك، أن
يعمل بما فيها، وكان رئيس القوم، والمجمع، والمقدم فيه بترك الإسكندرية، وبترك
أنطاكية، وأسقف بيت المقدس، ووجه بترك رومية من عنده رجلين، فاتفق الكل على لعن
أريوس وأصحابه، ولعنوه، وكل من قال بمقالته.
ووضعوا
((الأمانة)) وقالوا: إن الابن مولود من الأب، قبل كون الخلائق، وأن الابن من
طبيعة الأب غير مخلوق واتفقوا على أن يكون فصح النصارى يوم الأحد، ليكون بعد
فصح اليهود، وأن لا يكون فصح اليهود مع فصحهم، في يوم واحد، ومنعوا أن يكون
للأسقف زوجة.
وذلك
أن الأساقفة منذ وقت الحواريين إلى مجمع الثلاثمائة وثمانية عشر كان لهم نساء؛
لأنهم كانوا إذا صيروا واحدا أسقفا، وكانت له زوجة ثبتت معه، ولم تتنح عنه ما
خلا البتاركة، فإنهم لم يكن لهم نساء، ولا كانوا أيضاً يصيرون أحدا له زوجة
بتركا، قال: وانصرفوا مكرمين، محظوظين، وذلك في سبعة عشر سنة من ملك قسطنطين
الملك، ومكث بعد ذلك ثلاث سنين.
((أحداها)): كسر الأصنام، وقتل من يعبدها.
((والثانية)): أمر أن لا يثبت في الديوان، إلا أولاد النصارى، ويكونون هم
الأمراء، والقواد.
((والثالثة)): أن يقيم للناس جمعة الفصح، والجمعة التي بعدها، لا يعملون فيها
عملا، ولا يكون فيها حرب، وتقدم قسطنطين إلى أسقف بيت المقدس، أن يطلب موضع
المقبرة، والصليب ويبني الكنائس، ويبدأ ببناء القيامة، فقالت هيلانة أمه: إنيّ
نذرت أن أسير إلى بيت المقدس، وأطلب المواضع المقدسة، وأبنيها، فدفع إليها
الملك أموالا جزيلة، وسارت مع أسقف بيت المقدس، فبنت كنيسة القيامة في موضع
الصليب، وكنيسة قسطنطين.
ثم
اجتمعوا بعد هذا مجمعا عظيما ببيت المقدس، وكان معهم رجل دسه بترك القسطنطينية،
وجماعة معه، ليسألوا بترك الإسكندرية، وكان هذا الرجل لما رجع إلى الملك، أظهر
أنه مخالف لأريوس، وكان يرى رأيه، ويقول بمقالته، فقام الرجل، وقال:
إن
((أريوس))لم يقل إن المسيح خلق الإنسان، ولكن قال به خلقت الأشياء، لأنه كلمة
الله التي بها(ص 176) خلقت السموات، والأرض، وإنما خلق الله الأشياء بكلمته،
ولم تخلق الأشياء كلمته، كما قال المسيح في الإنجيل: ((كل بيده كان ومن دونه لم
يكن شيء)).
وقال:
((به كانت الحياة، والحياة نور البشر)) وقال: ((العالم به يكون))فأخبر أن
الأشياء به تكونت.
قال
ابن البطريق: فهذه كانت مقالة أريوس، ولكن الثلاثمائة وثمانية عشر أسقفا، تعدوا
عليه، وحرفوه ظلما، وعدوانا، فرد عليه بترك الإسكندرية، وقال: أما أريوس، فلم
تكذب عليه الثلاثمائة وثمانية عشر أسقفا، ولا ظلموه، لأنه إنما قال: الابن خالق
الأشياء دون الأب، وإذا كانت الأشياء إنما خلقت بالابن، دون أن يكون الأب لها
خالقا، فقد أعطى أنه ما خلق منها شيئا.
وفي
ذلك تكذيب قوله: ((الأب يخلق، وأنا أخلق)).
وقال:
((إن أنا لم أعمل عمل أبي، فلا تصدقوني)).
وقال:
((كما أن الأب يحيي من يشاء، ويميته، كذلك الابن يحيي من يشاء، ويميته)).
قالوا:
فدل على أنه يحيي، ويخلق، وفي هذا تكذيب لمن زعم أنه ليس بخالق، وإنما خلقت
الأشياء به، دون أن يكون خالقا.
وأما
قولك: إن الأشياء كونت به، فإنا لما قلنا: لا شك أن المسيح حي، فعال، وكان قد
دل بقوله: ((إني أفعل الخلق، والحياة))كان قولك: به كوّنت الأشياء، إنما هو
راجع في المعنى إلى أنه كونها، وكانت به مكونة، ولو لم يكن ذلك لتناقض القولان.
قال:
وأما قول من قال من أصحاب أريوس: أن الأب يريد الشيء فيكونه الابن، والإرادة
للأب، والتكوين للابن، فإن ذلك يفسد أيضاّ، إذا كان الابن عنده مخلوقا، فقد صار
حظ المخلوق في الخلق أوفى من حظ الخالق فيه، وذلك أن هذا أراد، وفعل، وذلك
أراد، ولم يفعل، فهذا أوفر حظا في فعله من ذلك، ولابد لهذا أن يكون في فعله لما
يريد ذلك، بمنزلة كل فاعل من الخلق لما يريد الخالق منه، ويكون حكمه كحكمه في
الخير والاختيار، فإن كان مجبورا فلا شيء له في الفعل، وإن كان مختارا، فجائز
أن يطاع، وجائز أن يعصى، وجائز أن يثاب، وجائز أن يعاقب.
وهذا
أشنع في القول، ورد عليه أيضاّ وقال: إن كان الخالق إنما خلق خلقه بمخلوق،
والمخلوق غير الخالق بلا شك، فقد زعمتم أن الخالق يفعل بغيره، والفاعل بغيره
محتاج إلى متمم ليفعل به، إذ كان لا يتم له الفعل إلّا به، والمحتاج إلى غيره
منقوص، والخالق متعال عن هذا كله.
قال:
فلما دحض بترك الإسكندرية، حجج أولئك المخالفين، وظهر لمن حضر بطلان قولهم،
وتحيروا، وخجلوا، فوثبوا على بترك الإسكندرية، فضربوه حتى كاد يموت، فخلصه من
أيديهم ابن أخت قسطنطين، وهرب بترك الإسكندرية، وصار إلى بيت المقدس، من غير
حضور أحد من الأساقفة ثم أصلح دهن الميرون، وقدس الكنائس، ومسحها بدهن الميرون،
وسار إلى الملك، فأعلمه الخبر، فصرفه إلى الإسكندرية.
قال
ابن البطريق: وأمر الملك أن لا يسكن يهودي ببيت المقدس، ولا يجوز بها، ومن لم
يتنصر قتل، فظهر دين النصرانية، وتنصر من اليهود خلق، فقيل للملك: إن اليهود
يتنصرون من خوف القتل، وهم على دينهم، فقال: كيف لنا أن نعلم ذلك منهم؟ فقال له
بولس البترك:
إن
الخنزير في التوراة حرام، واليهود لا يأكلون لحم الخنزير، فأمر أن تذبح
الخنازير، ويطبخ لحومها، ويطعم منها، فمن لم يأكل منه، علم أنه مقيم على دين
اليهودية، فقال الملك: إذا كان الخنزير في التوراة حراما، فكيف يحل لنا أن
نأكله، ونطعمه الناس؟ فقال له بولس: إن سيدنا المسيح قد أبطل كل ما في التوراة،
وجاء بنواميس أخر، وبتوراة جديدة، وهو الإنجيل، وفي إنجيله: أن كل ما يدخل
البطن فليس بحرام، ولا نجس، وإنما ينجس الإنسان ما يخرج من فيه.
وقال
يونس: أن بطرس رئيس الحواريين، بينما هو يصلي في ست ساعات من النهار، وقع عليه
سبات، فنظر إلى السماء قد تفتحت، وإذا زاد قد نزل من السماء، حتى بلغ الأرض،
وفيه كل ذي أربع قوائم على الأرض، من السباع، والدواب، وغير ذلك من طير السماء،
وسمع صوتا يقول له: يا بطرس قم، فاذبح، وكل، فقال بطرس: يا رب ما أكلت شيئا
نجسا قط، ولا دنسا قط، فجاء صوت ثان، كل ما طهره الله فليس بنجس.
وفي
نسخة أخرى: ما طهره الله فلا تنجسه أنت، ثم جاءه الصوت بهذا ثلاث مرات، ثم إن
الزاد ارتفع إلى السماء، فتعجب بطرس، وتحير فيما بينه وبين نفسه، فأمر الملك أن
تذبح الخنازير، وتطبخ لحومها، وتقطع صغارا، وتصير على أبواب الكنائس، في كل
مملكته يوم أحد الفصح، وكل من خرج من الكنيسة، يلقم لقمة من لحم الخنازير، فمن
لم يأكل منه، يقتل فقتل لأجل ذلك خلق كثير، ثم هلك قسطنطين.
وقام
بعده أكبر أولاده، واسمه قسطنطين، وفي أيامه اجتمع أصحاب أريوس، ومن قال
بمقالته إليه، فحسنوا لهم دينهم، ومقالتهم، وقالوا: إن الثلاثمائة وثمانية عشر
أسقفا، الذين كانوا اجتمعوا بنيقية، قد أخطأوا، وحادوا عن الحق، في قولهم: إن
الابن متفق مع الأب في الجوهر.
فأمر
أن لا يقال هذا: فإنه خطأ، فعزم الملك على فعله، فكتب إليه أسقف بيت المقدس: أن
لا يقبل قول أصحاب أريوس، فإنهم حائدون عن الحق، وكفار، وقد لعنهم الثلاثمائة
وثمانية عشر أسقفا، ولعنوا كل من يقول بمقالتهم، فقبل قوله.
قال
ابن البطريق: وفي ذلك الوقت، أعلنت مقالة أريوس على قسطنطينية، وأنطاكية،
والإسكندرية، وفي ثاني سنة من ملك قسطنطين هذا، صار على أنطاكية بترك أريوسي،
ثم بعده آخر مثله، قال:
وأما
أهل مصر، والإسكندرية، وكان أكثرهم أريوسيين، ومانيين، فغلبوا على كنائس مصر،
فأخذوها، ووثبوا على بترك الإسكندرية، ليقتلوه، فهرب منهم، واستخفى، ثم ذكر
جماعة من البتاركة، والأساقفة من طوائف النصارى، وما جرى لهم مع بعضهم بعضا،
وما تعصبت به كل طائقة لبتركها، حتى قتل بعضهم بعضا.
واختلف
النصارى أشد الاختلاف، وكثرت مقالاتهم، واجتمعوا عدة مجامع، كل مجمع يلعن فيه
بعضهم بعضا، ونحن نذكر بعض مجامعهم بعد هذين المجمعين.
المجمع
الثالث
فكان
لهم مجمع ثالث، بعد ثمان وخمسين سنة من المجمع الأول بنيقية، فاجتمع الوزراء،
والقواد إلى الملك، وقالوا: إن مقالة الناس قد فسدت، وغلبت عليهم مقالة أريوس،
ومقدونيس، فاكتب إلى جميع الأساقفة، والبتاركة، أن يجتمعوا، ويوضحوا دين
النصرانية، فكتب الملك إلى سائر بلاده، فاجتمع في قسطنطينية مائة وخمسون أسقفا،
فنظروا، وبحثوا في مقالة أريوس، فوجدوها أن روح القدس مخلوق، ومصنوع، ليس بإله،
فقال بترك الإسكندرية: ليس روح القدس عندنا، غير روح الله، وليس روح الله غير
حياته.
فإذا
قلنا: أن روح الله مخلوق، فقد قلنا: إن حياته مخلوقة، وإذا قلنا: أن حياته
مخلوقة، فقد جعلناه غير حي، وذلك كفر به. فلعنوا جميعهم من يقول بهذه المقالة،
ولعنوا جماعة من أساقفتهم، وبتاركتهم، كانوا يقولون بمقالات أخر لم يرتضوها،
وبينوا أن روح القدس خالق غير مخلوق، إله حق، من إله حق، من طبيعة الأب والابن
((ونؤمن بروح القدس، الرب، المحيي، الذي من الأب منبثق، الذي مع الأب، والابن
وهو مسجود، وممجد))
وكان
في تلك الأمانة، ((وبروح القدس)) فقط، وبينوا أن الابن والأب، وروح القدس،
ثلاثة أقانيم، وثلاث وجوه، وثلاث خواص، وأنها وحدة في تثليث، وتثليث في وحدة،
وبينوا أن جسد المسيح بنفس ناطقة عقلية، فأنفض هذا الجمع، وقد لعنوا فيه كثيرا
من أساقفتهم، وأشياعهم...
المجمع
الرابع
ثم بعد
إحدى وخمسين سنة من هذا المجمع، كان لهم مجمع رابع على نسطورس، وكان رأيه: أن
مريم ليست بوالدة الإله على الحقيقة، ولذلك كان اثنان:
أحدهما: الإله، الذي هو موجود من الأب. والآخر: إنسان، وهو الموجود من مريم،
وأن هذا الإنسان الذي نقول أنه المسيح، متوحد مع الابن الإله، ويقال: له إله،
وابن الإله ليس على الحقيقة، ولكن موهبة، واتفاق الاسمين على طريق الكرامة.
فبلغ
ذلك بتاركة سائر البلاد، فجرت بينهم مراسلات، واتفقوا على تخطئته.
واجتمع
منهم مائتا أسقف في مدينة أفسيس، وأرسلوا إليه للمناظرة، فامتنع ثلاثا مرات،
فأجمعوا على لعنه فلعنوه، ونفوه، وبينوا أن مريم ولدت إلها، وأن المسيح إله حق،
من إله حق، وهو إنسان، وله طبيعتان، فلما لعنوا نسطورس، تعصب له بترك أنطاكية،
فجمع الأساقفة، فلم يزل الملك حتى الذين قدموا معه، وناظرهم، وقطعهم، فتقاتلوا،
وتلاعنوا، وجرى بينهم شر، فتفاقم أمرهم.
ثم
أصلح بينهم، فكتب أولئك صحيفة أن مريم القديسة، ولدت إلها، وهو ربنا يسوع
المسيح، الذي هو مع الله في الطبيعة، ومع الناس في الناسوت، وأقروا بطبيعتين،
وبوجه واحد، وأقنوم واحد، وأنفذوا لعن نسطورس، فلما لعنوه ونفى، سار إلى مصر،
وأقام
في أخميم سبع سنين، ومات ودفن بها، وماتت مقالته إلى أن أحياها ابن صرما، مطران
نصيبين، وبثها في بلاد المشرق، فأكثر نصارى المشرق، والعراق، ونسطورية، فانفض
ذلك المجمع الرابع أيضاً، وقد أطبقوا على لعن نسطوري، وأشياعه، ومن قال
بمقالته.
المجمع
الخامس
ثم كان
لهم بعد هذا المجمع مجمع خامس، وذلك أنه كان بالقسطنطينية طبيب راهب، يقال له:
أوطيسوس، يقول: إن جسد المسيح ليس هو مع أجسادنا بالطبيعة، وأن المسيح قبل
التجسد، من طبيعتين، وبعد التجسد طبيعة واحدة، وهو أول من أحدث هذه المقالة،
وهي مقالة ((اليعقوبية)).
فرحل
إليه بعض الأساقفة، فناظره، وقطعه، ودحض حجته، ثم صار إلى قسطنطينية، فأخبر
بتركها بالمناظرة، وبانقطاعه، فأرسل بترك القسطنطينية إليه فاستحضره، وجمع جمعا
عظيماً، وناظره،
فقال
أوطيسوس: إن قلنا أن المسيح طبيعتين، فقد قلنا: بقول نسطورس، ولكنا نقول: إن
المسيح طبيعة واحدة، وأقنوم واحد، لأنه من طبيعتين كانتا قبل التجسد، فلما قبل
التجسد زالت عنه، وصار طبيعة وأقنوما واحدا، فقال له بترك القسطنطينية:
إن كان
المسيح طبيعة واحدة، فالطبيعة القديمة، هي الطبيعة المحدثة، وإن كان القديم هو
المحدث، فالذي لم يزل، هو الذي لم يكن، ولو جاز أن يكون القديم هو المحدث، لكان
القائم هو القاعد، والحار هو البارد، فأبي أن يرجع عن مقالته، فلعنوه، فاستعدي
إلى الملك، وزعم أنهم ظلموه، وسأله أن يكتب إلى جميع البتاركة، للمناظرة،
فاستحضر الملك البتاركة، والأساقفة من سائر البلاد، إلى مدينة أفسيس.
فثبت
بترك الإسكندرية مقالة أوطيسوس، وقطع بتارك القسطنطينية، وأنطاكية، وبيت
المقدس، وسائر البتاركة والأساقفة، وكتب إلى بترك رومية، وإلى جماعة الكهنة،
فحرمهم ومنعهم من القربان، إن لم يقبلوا مقالة أوطيسوس، ففسدت الأمانة، وصارت
مقالة أوطيسوس خاصة بمصر، والإسكندرية، وهو مذهب اليعقوبية، فافترق هذا المجمع
الخامس، وكل فريق يلعن الآخر، ويحرمه، ويبرأ من مقالته...
المجمع
السادس
فصل ثم
كان لهم بعد هذا ((مجمع سادس))، في مدينة حلقدون، فإنه لما مات الملك، ولي بعده
مرقيون، فاجتمع إليه الأساقفة من سائر البلاد، فأعلموه ما كان من ظلم ذلك
المجمع، وقلة الإنصاف وأن مقالة أوطيسوس قد غلبت على الناس، وأفسدت دين
النصرانية.
فأمر
الملك باستحضار سائر البتاركة، والمطارنة، والأساقفة، إلى مدينة حلقدون، فاجتمع
فيها ستمائة وثلاثون أسقفاً، فنظروا في مقالة أوطيسوس، وبترك الإسكندرية، الذي
قطع جميع البتاركة، فأفسد الجميع مقالتهما، ولعنوهما، وأثبتوا: أن المسيح إله،
وإنسان في المكان مع الله، باللاهوت، وفي المكان معنا بالناسوت، يعرف بطبيعتين،
تام باللاهوت، وتام بالناسوت، ومسيح واحد، وثبتوا أقوال الثلاثمائة وثمانية عشر
أسقفا، وقبلوا قولهم، بأن الابن مع الله في المكان نور، من نور إله حق، من إله
حق، ولعنوا أريوس، وقالوا:
إن روح
القدس إله، وأن الأب والابن وروح القدس واحد، بطبيعة واحدة، وأقانيم ثلاثة،
وثبتوا قول المجمع الثالث في مدينة أفسيس، أعني المائتي أسقف على نسطورس،
وقالوا:
إن
مريم العذراء ولدت إلها، ربنا اليسوع المسيح، الذي هو مع الله بالطبيعة، ومع
الناسوت بالطبيعة، وشهدوا أن للمسيح طبيعتين، وأقنوما واحدا، ولعنوا نسطورس،
وبترك الإسكندرية، ولعنوا المجمع الثاني، الذي كان بأفسيس، ثم المجمع الثالث،
المائتي أسقف بمدينة أفسيس أول مرة.
ولعنوا
نسطورس، وبين نسطورس إلى مجمع حلقدون أحد وعشرون سنة، فانفض هذا المجمع، وقد
لعنوا من مقدميهم، وأساقفتهم، من ذكرنا، وكفروهم، وتبرؤا منهم، ومن قال
مقالاتهم..
المجمع
السابع
ثم كان
لهم بعد هذا المجمع، ((مجمع سابع))في أيام أنسطاس الملك، وذلك أن سورس
القسطنطيني، كان على رأى أوطيسوس، فجاء إلى الملك فقال: إن المجمع الحلقدوني
الستمائة وثلاثين، قد أخطأوا في لعن أوطسيوس، وبترك الإسكندرية، والدين الصحيح
ما قالاه، فلا يقبل دين من سواهما، ولكن اكتب إلى جميع عمالك، أن يلعنوا
الستمائة وثلاثين، ويأخذوا الناس بطبيعة واحدة، وأقنوم واحد، فأجابه الملك إلى
ذلك.
فلما
بلغ ذلك إيليا بترك بيت المقدس، جمع الرهبان، ولعنوا أنسطاس الملك، وسورس، ومن
يقول بمقالتهما، فبلغ ذلك أنسطاس، ونفاه إلى أيلة، وبعث يوحنا، بتركا على بيت
المقدس، لأن يوحنا كان قد ضمن له أن يلعن المجمع الحلقدوني الستمائة وثلاثين.
فلما
قدم إلى بيت المقدس، اجتمع بالرهبان، وقالوا: إياك أن تقبل من سورس، ولكن قاتل
عن المجمع الحلقدوني، ونحن معك، فضمن لهم ذلك، وخالف أمر الملك، فبلغ ذلك
الملك، فأرسل قائدا، وأمره أن يأخذ يوحنا بطرح المجمع الحلقدوني، فإن يفعل
ينفيه عن الكرسي.
فقدم
القائد، وطرح يوحنا في الحبس، فصار إليه الرهبان في الحبس، وأشاروا عليه بأن
يضمن للقائد أن يفعل ذلك، فإذا حضر فليقر بلعنة من لعنة الرهبان، ففعل ذلك،
واجتمع الرهبان، وكانوا عشرة آلاف راهب، ومعهم مدرس، وسابا، ورؤساء الديرات،
فلعنوا أوطسيوس، وسورس، ومن لا يقبل المجمع الحلقدوني.
وفزع
رسول الملك من الرهبان، وبلغ ذلك الملك، فهم بنفي يوحنا، فاجتمع الرهبان،
والأساقفة، فكتبوا إلى أنسطاس الملك، أنهم لا يقبلون مقالة سورس، ولا أحد من
المخالفين، ولو أهريقت دماؤهم، وسألوه أن يكف أذاه عنهم، وكتب بترك رومية إلى
الملك، يقبح فعله، ويلعنه، فانفض هذا المجمع أيضاً، وقد تلاعنت فيه هذه الجموع،
على ما وصفنا!!
وكان
لسورس تلميذ، يقال له: يعقوب، يقول بمقالة سورس، وكان يسمى البرادعي، وإليه
تنسب ((اليعاقبة)) فأفسد أمانة النصارى
ثم مات
أنسطاس، وولي قسطنطين، فرد كل من نفاه أنسطاس الملك إلى موضعه، واجتمع الرهبان،
وأظهروا كتاب الملك، وعيدوا عيدا حسنا، بزعمهم، وأثبتوا المجمع الحلقدوني
بالستمائة وثلاثين أسقفاً، ثم ولي ملك آخر، وكانت اليعقوبية قد غلبوا على
الإسكندرية، وقتلوا بتركا لهم، يقال له بولس، كان ملكيا، فأرسل القائد ومعه
عسكر عظيم إلى الإسكندرية، فدخل الكنيسة في ثياب البترك، وتقدم، وقدس، فرموه
بالحجارة، حتى كادوا يقتلونه، فانصرف.
ثم
أظهر لهم من بعد ثلاثة أيام، أنه قد أتاه كتاب الملك، وضرب الجرس، ليجتمع الناس
يوم الأحد في الكنيسة، فلم يبق أحد بالإسكندرية، حتى حضر لسماع كتاب الملك، وقد
جعل بينه وبين جنده علامة، إذا رجعتم إلى الحق وتركتم مقالة اليعاقبة، وإلا لن
تأمنوا أن يرسل إليكم الملك من يسفك دمائكم.
فرموه
بالحجارة حتى خاف على نفسه أن يقتل، فأظهر العلامة، فوضعوا السيف على كل من في
الكنيسة، فقتل داخلها وخارجها أمم لا تحصى كثرة، حتى خاض الجند في الدماء،.
وهرب منهم خلق كثير، وظهرت ((مقالة الملكية)).
المجمع
الثامن
ثم كان
لهم بعد ذلك ((مجمع ثامن)) بعد المجمع الحلقدوني، الذي لعن فيه اليعقوبية بمائة
سنة وثلاث سنين، وذلك أن أسقف منبج، وهي بلدة شرقي حلب، بالقرب منها، وهي-
مخسوفة- الآن، كان يقول: بالتناسخ، وأن ليس قيامة، وكان أسقف الرها، وأسقف
المصيصة، وأسقف آخر، يقولون:إن جسد المسيح خيال غير حقيقة، فحشرهم الملك إلى
قسطنطينية، فقال لهم: بتركها إن كان جسده خيالا، فيجب أن يكون فعله خيالا،
وقوله: خيالا، وكل جسد يعاين لأحد الناس، أو فعل، أو قول، فهو كذلك، وقال لأسقف
منبج: إن المسيح قد قام من الموت، وأعلمنا أنه كذلك يقوم الناس من الموت، يوم
الدينونة.
وقال
في ((إنجيله)): لن تأتي الساعة حتى إن كل من في القبور إذا سمعوا قول ابن الله،
يجيبوا، فكيف تقولون ليس قيامة؟ !
فأوجب
عليهم الخزي، واللعن، وأمر الملك أن يكون لهم مجمع، يلعنون فيه، واستحضر بتاركة
البلاد، فاجتمع في هذا المجمع مائة وأربعة وستون أسقف، فلعنوا أسقف منبج، وأسقف
المصيصة، وثبتوا على قول أسقف الرها:
أن جسد
المسيح حقيقة، لا خيال، وإنه إله تام، وإنسان تام، معروف بطبيعتين، ومشيئتين،
وفعلين، وأقنوم واحد، وثبتوا المجامع الأربعة، التي قبلهم بعد المجمع
الحلقدوني، وإن الدنيا زائلة، وإن القيامة كائنة، وأن المسيح يأتي بمجد عظيم،
فيدين الأحياء والأموات، كما قال الثلاثمائة والثمانية عشر..
المجمع
التاسع
فصل ثم
كان لهم ((مجمع تاسع)) في أيام معاوية ابن أبي سفيان، تلاعنوا فيه، وذلك أنه
كان برومية، راهب قديس يقال له مقسلمس، وله تلميذان، فجاء إلى قسطا الوالي
فوبخه على قبح مذهبه، وشناعة كفره، فأمر به قسطا، فقطعت يداه، ورجلاه، ونزع
لسانه، وفعل بأحد التلميذين مثله، وضرب آخر بالسياط، ونفاه فبلغ ذلك ملك
قسطنطينية.
فأرسل
إليه يوجه إليه من أفاضل الأساقفة، ليعلم وجه هذه الحجة، ومن الذي كان ابتدأها،
لكيما يطرح جميع الآباء القديسين، كل من استحق اللعنة، فبعث إليه مائة وأربعين
أسقفا، وثلاث شمامسة، فلما وصلوا إلى قسطنطينية، جمع الملك مائة وثمانية وستين
أسقفا، فصاروا ثلاثمائة وثمانية، وأسقطوا الشمامسة في البر طحة.
وكان
رئيس هذا المجمع بترك قسطنطينية، وبترك أنطاكية، ولم يكن لبيت المقدس،
والإسكندرية، بترك فلعنوا من تقدم من القديسين، الذين خالفوهم، وسموهم واحداً
واحداً، وهم جماعة، ولعنو أصحاب المشيئة الواحدة، ولما لعنوا هؤلاء، جلسوا
فلخصوا الأمانة المستقيمة، بزعمهم فقالوا:
((نؤمن
بأن الواحد من اللاهوت، الابن الوحيد الذي هو الكلمة الأزلية، الدائم المستوي،
مع الأب الإله في الجوهر، الذي هو ربنا اليسوع، المسيح، بطبيعتين تامتين،
وفعلين، ومشيئتين، في أقنوم واحد، ووجه واحد، يعرف تاما بلاهوته، تاما بناسوته،
وشهدت
كما شهد مجمع الحلقدونية، على ما سبق أن الإله الابن، في آخر الأيام اتحدا مع
العذراء، السيدة مريم القديسة، جسدا إنسانا بنفسين، وذلك برحمة الله تعالى، محب
البشر، ولم يلحقه اختلاط، ولا فساد، ولا فرقة، ولا فصل، ولكن هو واحد، يعمل بما
يشبه الإنسان أن يعمله في طبيعته، وما يشبه الإله أن يعمل في طبيعته، الذي هو
الابن الوحيد، والكلمة الأزلية، المتجسدة إلى أن صارت في الحقيقة لحما.
كما
يقول الإنجيل المقدس، من غير أن تنتقل عن محلها الأزلي، وليست يمتغيرة، لكنها
بفعلين، ومشيئتين، وطبيعتين، إلهي وأنسي، الذي بهما يكون القول الحق، وكل واحدة
من الطبيعتين، تعمل مع شركة صاحبتها، مشيئتين غير متضادتين، ولا متضارعتين،
ولكن مع المشيئة الأنسية، في المشيئة الإلهية القادرة على كل شيء)).
هذه
شهادتهم، وأمانة المجمع السادس من المجمع الحلقدوني، وثبتوا ما ثبته الخمس
مجامع التي كانت قبلهم، ولعنوا من لعنوه، وبين المجمع الخامس إلى هذا المجمع
مائة سنة.
المجمع
العاشر
فصل ثم
كان لهم((مجمع عاشر))، لما مات الملك، وولي بعده ابنه، واجتمع فريق المجمع
السادس، وزعموا أن اجتماعهم كان على الباطل، فجمع الملك مائة وثلاثين أسقفا،
فثبتوا قول المجمع السادس، ولعنوا من لعنهم، وخالفهم، وثبتوا قول المجامع
الخمسة، ولعنوا من لعنوا، وانصرفوا، فانقرضت هذه المجامع، والحشود، وهم علماء
النصارى، وقدماؤهم، وناقلوا الدين إلى المتأخرين، وإليهم يستند من بعدهم.
وقد
اشتملت هذه المجامع العشرة المشهورة، على زهاء أربعة عشر ألفا من الأساقفة،
والبتاركة، والرهبان، كلهم يكفر بعضهم بعضا، ويلعن بعضهم بعضاً، فدينهم إنما
قام على اللعنة، بشهادة بعضهم على بعض، وكل منهم لاعن ملعون.
((لو
عرض دين النصرانية، على قوم لم يعرفوا لهم إلها، لا متنعوا من قبوله))
فإذا
كانت هذه حال المتقدمين، مع قرب زمنهم، من أيام المسيح، وبقاء أخيارهم فيهم،
والدولة دولتهم، والكلمة لهم، وعلماؤهم إذ ذاك أوفر ما كانوا، واحتفالهم بأمر
دينهم واهتمامهم به كما ترى، ثم هم مع ذلك تائهون، حائرون بين لاعن، وملعون، لا
يثبت لهم قدم، ولا يتحصل لهم قول في معرفة معبودهم.
بل كل
منهم قد اتخذ إلهه هواه وباح باللعن، والبراءة ممن اتبع سواه، فما الظن بحثالة
الماضين، ونفاية الغابرين، وزبالة الحائرين، وذرية الضالين، وقد طال عليهم
الأمد، وبعد العهد، وصار دينهم ما يتلقونه عن الرهبان، وقوم إذا كشفت عنهم،
وجدتهم أشبه شيء بالأنعام، وإن كانوا في صور الأنام.
بل هم
كما قال تعالى: (ومن أصدق من الله قيلا إن هم الا كالأنعام بل هم أضل سبيلا).
و
هؤلاء هم الذين عناهم الله سبحانه بقوله: (يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير
الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل)
ومن أمة الضلال، بشهادة الله ورسوله عليهم، وأمة اللعن بشهادتهم على نفوسهم،
بلعن بعضهم بعضا، وقد لعنهم الله سبحانه على لسان رسوله، في قوله صلى الله عليه
وسلم:
((لعن
الله اليهود، والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما فعلوه))هذا والكتاب
واحد، والرب واحد، والنبي واحد، والدعوى واحدة، وكلهم يتمسك بالمسيح، وإنجيله،
وتلاميذه، ثم يختلفون فيه هذا الاختلاف المتباين.
فمنهم
من يقول: أنه إله.
ومنهم
من يقول: ابن الله.
ومنهم
من يقول: ثالث ثلاثة
ومنهم
من يقول: إنه عبد.
ومنهم
من يقول: إنه أقنوم، وطبيعة.
ومنهم
من يقول: أقنومان، وطبيعتان، إلى غير ذلك، من المقالات التي حكوها عن أسلافهم،
وكل منهم يكفر صاحبه، فلو أن قوما لم يعرفوا لهم إلها، ثم عرض عليهم دين
النصرانية هكذا، لتوقفوا عنه، وامتنعوا من قبوله.
فوازن
بين هذا، وبين ما جاء به خاتم الأنبياء، والرسل، صلوات الله عليه وسلامه، تعلم
علما يضارع المحسوسات، أو يزيد عليها: إن الدين عند الله الإسلام.
الفصل
الثالث عشر: (يستحيل الإيمان بنبي من الأنبياء مع جحد نبوة محمد)، (معجزات محمد
أعظم وأدل)
السَّابِق
الفهرس
التّالي |