|
هِدَايَة الحَيَارَى
المسألة الثانية
من آمن بالنبي من
رؤساء النصارى - حديث النجاشي
وأما (المسألة الثانية) وهي قولكم:
هب أنهم اختاروا الكفر لذلك فهل لا اتبع الحق من لا رياسة له،
ولا مأكلة، إما اختبارا وإما قهرا، فجوابه من وجوه:
(أحدها)
إنا قد بينا أن أكثر من ذكرتم قد آمن بالرسول وصدقه اختيارا لا،
اضطرارا، وأكثرهم أولوا العقول والأحلام والعلوم ممن لا يحصيهم إلا الله، فرقعة
الإسلام إنما انتشرت في الشرق والغرب بإسلام أكثر الطوائف، فدخلوا في دين الله
أفواجاً، حتى صار الكفار معهم تحت الذلة والصغار.
وقد بينا أن الذين أسلموا من اليهود، والنصارى، والمجوس،
والصابئين، أكثر من الذين لم يسلموا، وأنه إنما بقي منهم أقل القليل، وقد دخل
في دين الإسلام من ملوك الطوائف ورؤسائهم في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم
خلق كثير، وهذا (ملك النصارى على إقليم الحبشة) في زمن النبي صلى الله عليه
وسلم لما تبين له أنه رسول الله، آمن به، دخل في دينه، وآوى أصحابه، ومنعهم من
أعدائهم.
وقصته أشهر من أن تذكر.
ولما مات أعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه بالساعة
التي توفي فيها وبينهما مسيرة شهر، ثم خرج بهم إلى المصلى، وصلى عليه، فروى
الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام المخزومي، عن أم سلمة زوج
النبي صلى الله عليه وسلم، قالت:
لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها خير جار النجاشي، أمنا على
ديننا، وعبدنا الله، لا نؤذى، ولا نسمع شيئا نكرهه، فلما بلغ ذلك قريشا،
ائتمروا على أن يبعثوا إلى النجاشي هدايا، مما يستظرف من متاع مكة، وكان من
أعجب ما يأتيه منها الأدم، فجمعوا له أدما كثيرا، ولم يتركوا من بطارقته بطريقا
إلا أهدوا له هدية، ثم بعثوا بذلك مع عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي، وعمرو بن
العاص، وأمروهما أمرهم، وقالوا لهما:
ادفعا إلى كل بطريق هديته قبل أن تكلموا النجاشي فيهم، ثم قدموا
إلى النجاشي هداياه، ثم سلوه أن يسلمهم إليكم قبل أن يكلمهم، قالت: فخرجنا
فقدما على النجاشي ونحن عنده بخير دار، وعند خير جوار، فلم يبق من بطارقته
بطريق إلا دفعا إليه هديته قبل أن يكلما النجاشي.
ثم قالا لكل بطريق: إنه قد صبا إلى بلد الملك منا غلمان سفهاء،
فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينكم، وجاؤا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا
أنتم، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردهم
إليهم، فإذا كلمنا الملك فيهم فأشيروا عليه بأن يسلمهم إلينا ولا يكلمهم، فإن
قومهم أعلى بهم عيناً، وأعلم بما عابوا عليهم، فقالوا: نعم.
ثم إنهما قربا هداياهم إلى النجاشي، فقبلها منهم، ثم كلماه
فقالا له: أيها الملك إنه قد صبا إلى بلدك منا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم،
ولم يدخلوا في دينك، وجاؤا بدين مبتدع، لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا إليك
فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردهم إليهم، فهم أعلى بهم
عينا، وأعلم بما عابوا عليهم وعاتبوهم فيه، قالت: ولم يكن شيء أبغض إلى عبد
الله بن أبي ربيعة، وعمرو بن العاص، من أن يسمع النجاشي كلامهم.
فقالت بطارقته: حوله صدقوا أيها الملك قومهم أعلى بهم عينا،
وأعلم بما عابوا عليهم فأسلمهم إليهما ليردوهم إلى بلادهم وقومهم، قالت: فغضب
النجاشي، ثم قال: لا ها الله، إذن لا أسلمهم إليهما ولا أكاد أقوام جاوروني،
نزلوا ببلادي واختاروني، على من سواي حتى أدعوهم فأسألهم ما يقول هذان في
أمرهم، فإن كانوا كما يقولان أسلمتهم إليهما ورددتهم إلى قومهم، وأن كانوا على
غير ذلك منعتهم منهما، وأحسنت جوارهم ما جاوروني.
قالت: ثم أرسل إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعاهم،
فلما جاءهم رسوله اجتمعوا، ثم قال بعضهم لبعض: ما تقولون للرجل إذا جئتموه؟
قالوا:
نقول والله ما علمنا وما أمرنا به نبينا صلى الله عليه وسلم
كائنا في ذلك ما هو كائن، فلما جاؤه - وقد دعا النجاشي أساقفته فنشروا مصاحفهم
حوله - سألهم فقال: ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم، ولم تدخلوا في ديني
ولا دين أحد من هذه الأمم؟
قالت: وكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب، فقال له: أيها الملك!
كنا قوما أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع
الأرحام، ونسيء الجوار، يأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله
إلينا رسولا منا، نعرف نسبه وصدقه، وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده
ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا
بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم
والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة،
وأمرنا أن نعبد الله لا نشرك به شيئا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام، قالت:
فعدد عليه أمور الإسلام.
فصدقناه وآمنا به واتبعناه على ما جاء به، فعبدنا الله وحده ولم
نشرك به شيئا، وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا، فعدا علينا
قومنا فعذبونا، وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله عز
وجل، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث، فلما قهرونا وظلمونا، وشقوا علينا،
وحالوا بيننا وبين ديننا، حرجنا إلى بلدك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في
جوارك، ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك.
قالت: فقال النجاشي: هل معك مما جاء به عن الله من شيء؟
قالت:فقال له جعفر: نعم، فقال له النجاشي: فاقرأه علي، فقرأ عليه صدرا من
(كهيعص) قالت: فبكى والله النجاشي، حتى أخضل لحيته، وبكت أساقفته حتى أخضلوا
مصاحفهم حين سمعوا ما تلي عليهم.
ثم قال النجاشي: إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة
واحدة، انطلقوا فوالله لا أسلمهم إليكم أبدا ولا أكاد.
قالت أم سلمة: فلما خرجنا من عنده، قال عمر بن العاص: والله
لآتينه غدا أعيبهم عنده بما استأصل به خضراءهم. قالت: فقال عبد الله بن أبي
ربيعة، وكان أبقى الرجلين فينا، لا تفعل فإن لهم أرحاما وإن كانوا قد خالفونا،
قال: والله لأخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى ابن مريم عبد.
قالت: ثم غدا عليه من الغد، فقال له:أيها الملك إنهم يقولون في
عيسى ابن مريم قولا عظيما، فأرسل إليهم فاسألهم عما يقولون فيه، قالت: فأرسل
إليهم فسألهم عنه، قالت: ولم ينزل بنا مثلها، فاجتمع القوم.
فقال بعضهم لبعض: ما تقولون في عيسى إذا سألكم عنه، قالوا: نقول
والله فيه ما قال الله عز وجل، وما جاء به نبينا كائنا في ذلك ما هو كائن، فلما
دخلوا عليه، قال لهم: ما تقولون في عيسى ابن مريم؟ فقال له جعفر بن أبي طالب:
نقول فيه الذي جاء به نبينا، هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته
التي ألقاها إلى مريم العذراء البتول، وروح منه، فضرب النجاشي يده إلى الأرض،
فأخذ منها عودا، ثم قال: ما عدا عيسى ابن مريم ما قلت هذا العود، فتناخرت
بطارقته حوله حين قال ما قال، فقال: وإن نخرتم، وإن نخرتم، والله اذهبوا فأنتم
سيوم بأرضي - والسيوم الآمنون - من سبكم غرم، من سبكم غرم، ما أحب أن لي دبر
ذهب وأني آذيت رجلا منكم - والدبر بلسان الحبشة الجبل - ردوا عليهما هداياهما
ولا حاجة لي بها، فوالله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي فأخذ الرشوة
فيه، وما أطاع الناس في فأطيعهم فيه، قالت: فخرجا من عنده مقبوحين، مردودا
عليهما ما جاؤا به.
وأقمنا عنده بخير دار مع خير جار، قالت: فوالله إنا لعلى ذلك إذ
نزل به رجل من الحبشة ينازعه في ملكه، قالت: فوالله ما علمنا حزنا قط كان أشد
من حزن حزناه عند ذلك، تخوفا أن يظهر على النجاشي، فيأتي رجل لا يعرف من حقنا
ما كان النجاشي يعرف منه.
قالت: فسار النجاشي وبينهما عرض النيل، فقال أصحاب رسول الله
صلى الله عليه وسلم: من رجل يخرج حتى يحضر وقعة القوم حتى يأتينا بالخبر،
قالت:فقال الزبير: أنا وكان من أحدث القوم سنا، قالت: فنفخوا له قربة فجعلها في صدره، ثم سبح عليها حتى خرج إلى ناحية النيل التي بها ملتقى القوم،
ثم انطلق حتى حضرهم.
قالت: ودعونا الله للنجاشي بالظهور على عدوه، والتمكين له في
بلاده، فاستوسق له أمر الحبشة، فكنا عنده في خير منزل، حتى قدمنا على رسول الله
صلى الله عليه وسلم.
فلما كان شهر ربيع الأول سنة سبع من الهجرة، كتب رسول الله صلى
الله عليه وسلم إلى النجاشي كتابا يدعوه فيه إلى الإسلام وبعث به مع عمرو بن
أمية الضمري، فلما قرئ عليه الكتاب، أسلم، وقال: لو قدرت على أن آتيه لأتيته.
وكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يزوجه أم حبيبة بنت
أبي سفيان، ففعل، وأصدق عنه، أربعمائة دينار، وكان الذي تولى التزويج خالد بن
سعيد بن العاص بن أمية، وكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبعث إليه
من بقي عنده من أصحابه، ويحملهم، ففعل، فقدموا المدينة، فوجدوا رسول الله صلى
الله عليه وسلم بخيبر، فشخصوا إليه فوجدوه قد فتح خيبر، فكلم رسول الله صلى
المسلمين أن يدخلوهم في سهامهم، ففعلوا.
فهذا ملك النصارى قد صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وآمن به
واتبعه، وكم مثله ومن هو دونه ممن هداه الله من النصارى قد دخل في الدين، وهم
أكثر بأضعاف مضاعفة ممن أقام على النصرانية.
قال ابن إسحاق:وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة
وعشرون رجلا أو قريبا من ذلك من النصارى حين بلغهم خبره من الحبشة، فوجدوه في
المسجد، فجلسوا إليه وكلموه، وقبالتهم رجال من قريش في أنديتهم حول الكعبة.
فلما فرغوا من مسئلة رسول الله صلى الله عليه وسلم عما أرادوا،
دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الله، وتلا عليهم القرآن.
فلما سمعوه فاضت أعينهم من الدمع، ثم استجابوا له، وآمنوا به،
وصدقوه، وعرفوا منه ما كان يوصف لهم في كتابهم من أمره، فلما قاموا عنه اعترضهم
أبو جهل ابن هشام في نفر من قريش، فقالوا لهم: خيبكم الله من ركب؟ ! بعثكم من
ورائكم من أهل دينكم ترتادون لهم لتأتوهم بخبر الرجل، فلم تطمئن مجالسكم عنده
حتى فارقتم دينكم، وصدقتموه بما قال؟ ! ما نعلم ركبا أحمق منكم، أو كما قالوا،
فقالوا لهم: سلام عليكم، لا نجاهلكم لنا ما نحن عليه، ولكم ما أنتم عليه، لم
نأل من أنفسنا خيرا.
ويقال: أن النفر من النصارى من أهل نجران. ويقال فيهم نزلت:
(الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به أنه
الحق من ربنا)- إلى قوله - (سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين).
وقال الزهري: ما زلت أسمع من علمائنا أنهن نزلن في النجاشي
وأصحابه.
قال ابن إسحق: ووفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد
((نصارى نجران)) بالمدينة، فحدثني محمداً بن جعفر بن الزبير، قال:
لما قدم وفد نجران على رسول الله صلى الله عليه وسلم دخلوا عليه
مسجده بعد العصر، فحانت صلاتهم فقاموا يصلون في مسجده فأراد الناس منعهم، فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((دعوهم)) فاستقبلوا المشرق، فصلوا صلاتهم،
وكانوا ستين راكبا، منهم أربعة وعشرون رجلاً من أشرافهم، منهم ثلاثة نفر إليهم
يؤول أمرهم:
((العاقب)) أمير القوم وذو رأيهم وصاحب مشورتهم والذي لا يصدرون
إلا عن رأيه وأمره، واسمه عبد المسبح.
((والسيل)) عقالهم وصاحب رحلهم ومجمعهم.
((وأبو حارثة ابن علقمة)) أسقفهم وحبرهم وإمامهم وصاحب مدارسهم،
وكان أبو حارثة قد شرف فيهم ودرس كتبهم، وكانت ملوك الروم من أهل النصرانية قد
شرفوه ومولوه وأخدموه وبنوا له الكنائس، وبسطوا عليه الكرامات، لما بلغهم عنه
من علمه واجتهاده في دينهم.
فلما وجهوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من نجران، جلس أبو
حارثة على بغلة متوجها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى جنبه أخ له يقال
له: كرز بن علقمة يسايره، إذ عثرت بغلة أبي حارثة، فقال له كرز: تعس الأبعد،
يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له أبو حارثة: بل أنت تعست.
فقال: ولم يا أخي؟ ! فقال: والله إنه للنبي الذي كنا ننتظره،
فقال له كرز: فما يمنعك من اتباعه، وأنت تعلم هذا؟ ! فقال: ما صنع بنا هؤلاء
القوم شرفونا ومولونا وأكرمونا، وقد أبوا إلا خلافه، ولو فعلت نزعوا منا كل ما
ترى، فأصر عليها أخوه كرز بن علقمة حتى أسلم بعد ذلك.
فهذا وأمثاله من الذين منعتهم الرياسة والمأكل من اختيار الهدى،
وآثروا دين قومهم، وإذا كان هذا حال الرؤساء المتبوعين الذين هم علماؤهم
وأحبارهم كان بقيتهم تبعا لهم، وليس بمستنكر أن تمنع الرياسة والمناصب والمآكل
للرؤساء، ويمنع الاتباع تقليدهم، بل هذا هو الواقع والعقل لا يستشكله.
قصة عدي بن حاتم
وكان من رؤساء النصارى الذين دخلوا في الإسلام لما تبين أنه
الحق الرئيس المطاع في قومه ((عدي بن حاتم الطائي))، ونحن نذكر قصته رواها
الإمام أحمد، والترمذي، والحاكم، وغيرهم.
قال عدي بن حاتم: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس في
المسجد، فقال القوم: هذا عدي بن حاتم. وجئت بغير أمان ولا كتاب، فلما رفعت إليه
أخذ بيدي، وقد كان قال قبل ذلك: ((إني لا أرجو أن يجعل الله يده في يدي))
قال: فقام لي، فلقيته امرأة وصبي معها، فقالا: إن لنا إليك حاجة، فقام معهما
حتى قضى حاجتهما، ثم أخذ بيدي حتى أتي بي داره، فألقت له الوليدة وسادة فجلس
عليها، وجلست بين يديه، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
((ما يفرك أن تقول لا إله إلا الله، فهل تعلم من إله سوى الله))
قال: قلت: لا، ثم تكلم ساعة، ثم قال: ((إنما يفرك أن يقال الله تعالى أكبر،
وتعلم أن شيئا أكبر من الله))؟ ! قال:قلت:لا، قال: ((فإن اليهود مغضوب عليهم،
وإن النصارى ضلال)) قال: قلت: فإني حنيف مسلم، قال: فرأيت وجهه ينبسط فرحاً،
قال: ثم أمر بي فأنزلت عند رجل من الأنصار، جعلت أغشاه آتيه طرفي النهار.
قال: فبينا أنا عنده عشبة إذ جاءه قوم في ثياب من الصوف من هذه
النمار، قال: فصلى وقام فحث عليهم، ثم قال: ((ولو بصاع، ولو بنصف صاع، ولو
بقبضة، ولو ببعض قبضة، يقي أحدكم وجهه حر جهنم أو النار، ولو بتمرة، ولو بشق
تمرة،
فإن أحدكم لاقى الله، وقائل له ما أقول لكم؛ ألم أجعل لك سمعاً
وبصراً؟ فيقول: بلى، فيقول: ألم أجعل لك مالاً وولداً؟ فيقول: بلى، فيقول: أين
ما قدمت لنفسك؟ ! فينظر قدامه وخلفه، وعن يمينه وعن شماله، ثم لا يجد شيئا يقي
وجهه حر جهنم، ليق أحدكم وجهه النار ولو بشق تمرة، فإن لم يجد فبكلمة طيبة،
فإني لا أخاف عليكم الفاقة، فإن الله ناصركم ومعطيكم، حتى لتسير الظعينة فيما
بين يثرب والحيرة أكثر ما يخاف على مطيتها السرق)).
قال فجعلت أقول في نفسي: فأين لصوص طي؟ !. وكان عدي مطاعا في
قومه بحيث يأخذ المرباع من غنائمهم.
وقال حماد بن زيد: عن أيوب، عن محمد بن سيرين، قال: قال أبو
عبيدة بن حذيفة: قال عدي بن حاتم: بعث الله محمد صلى الله عليه وسلم فكرهته أشد
ما كرهت شيئاً قط، فخرجت حتى أتيت أقصى أرض العرب مما يلي الروم، ثم كرهت مكاني
أشد مما كرهت مكاني الأول؛ فقلت: لو أتيته فسمعت منه، فأتيت المدينة فاستشرفني
الناس، وقالوا: جاء عدي بن حاتم الطائي!جاء عدي بن حاتم الطائي!
فقال: ((يا عدي بن حاتم الطائي، أسلم تسلم)) فقلت: إني على دين،
قال: ((أنا أعلم بدينك منك))، قلت: أنت أعلم بديني مني؟ ! قال: ((نعم)) قال هذا
ثلاثا، قال: ((ألست لوسياً)) قلت: بلى، قال: ((ألست ترأس قومك)) قلت: بلى، قال:
((ألست تأخذ المرباع)) قلت: بلى، قال: ((فإن ذلك لا يحل لك في دينك)) قال:
فوجدت بها على غضاضة.
ثم قال: ((لعله أن يمنعك أن تسلم أن ترى عندنا خصاصة، وترى
الناس علينا ألبا واحدا، هل رأيت الحيرة؟)) قلت: لم أرها وقد علمت مكانها، قال:
((فإن الظعينة سترحل من الحيرة، تطوف بالبيت بغير جوار، وليفتحن الله علينا
كنوز كسرى ابن هرمز)) قلت:
كسرى ابن هرمز! قال:((كنوز كسرى ابن هرمز، وليفيض المال حتى
يهتم الرجل من يقبل منه صدقته)) قال: فقد رأيت الظعينة ترحل من الحيرة بغير
جوار، وكنت في أول خيل أغارت على المدائن، ووالله لتكونن الثالثة، إنه حديث
رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قصة سلمان الفارسي
وقد كان ((سلمان الفارسي)) من أعلم النصارى بدينهم، وكان قد
تيقن خروج النبي صلى الله عليه وسلم فقدم المدينة قبل مبعثه، فلما رآه عرف أنه
هو النبي الذي بشر به المسيح، فآمن به، واتبعه، ونحن نسوق قصته.
قال ابن إسحاق: حدثني عاصم، عن محمود، عن ابن عباس رضي الله
عنهما، قال:حدثني سلمان الفارسي من فِيه قال:
كنت رجلاً فارسياً من أهل أصبهان من قرية يقال لها: جي، وكان
أبي دهقان قريته، وكنت أحب خلق الله إليه، لم يزل حبه إياي حتى حبه إياي حبسني
في بيت كما تحبس الجارية.
فاجتهدت في المجوسية حتى كنت قطن النار التي نوقدها لا نتركها
تخبو ساعة، وكانت لأبي ضيعة عظيمة، فشغل في بنيان له يوما، فقال: يا بني، إني
قد شغلت في بنياني هذا اليوم عن ضيعتي، فاذهب إليها، فاطلعها، وأمرني فيها ببعض
ما يريد.
ثم قال لي: ولا تحتبس عني، فإنك إن احتبست عني كنت أهم إلى من
ضيعتي، وشغلتني عن كل شيء من أمري. فخرجت أريد ضيعته التي بعثني إليها، فمررت
بكنيسة من كنائس النصارى، فسمعت أصواتهم فيها وهم يصلون، وكنت لا أدري ما أمر
الناس لحبس أبي إياي في بيته، فلما سمعت أصواتهم دخلت عليهم أنظر ما يصنعون،
فلما رأيتهم أعجبتني صلاتهم، ورغبت في أمرهم، وقلت:
هذا والله خير من الذي نحن عليه، فوالله ما برحتهم حتى غربت
الشمس، وتركت ضيعته، فلم آتها، ثم قلت لهم: أين أصل هذا الدين؟ قالوا: بالشام
فرجعت إلى أبي، وقد بعث في طلبي، وشغلته عن عمله كله، فلما جئته، قال: يا بني،
أين كنت؟ ألم أكن عهدت إليك ما عهدت؟ .
قلت: يا أبت، مررت بأناس يصلون في كنيسة لهم، فأعجبني ما رأيت
من دينهم، فوالله ما زلت حتى غربت الشمس، قال: أي بني! ليس في ذلك الدين خير،
دينك ودين آبائك خير منه، فقلت له: كلا والله إنه لخير من ديننا، فخافني فجعل
في رجلي قيدا، ثم حبسني في بيته، وبعثت إلى النصارى، فقلت لهم: إذا قدم عليكم
ركب من الشام فأخبروني بهم.
فقدم عليهم تجار من النصارى فأخبروني، فقلت لهم: إذا قضوا
حوائجهم، وأرادوا الرجعة إلى بلادهم فآذنوني بهم، قال: فلما أرادوا الرجعة
أخبروني بهم، فألقيت الحديد من رجلي، ثم خرجت معهم حتى قدمت الشام، فلما قدمتها
قلت: من أفضل أهل هذا الدين علما؟ قالوا: الأسقف في الكنيسة فجئته، فقلت
له:
إني قد رغبت في هذا الدين، وأحببت أن أكون معك فأخدمك في
كنيستك، وأتعلم منك، وأصلي معك، قال: ادخل، فدخلت معه، فكان رجل سوء يأمرهم
بالصدقة، ويرغبهم فيها، فإذا جمعوا إليه شيئا منها اكتنزه لنفسه، ولم يعطه
المساكين، حتى جمع سبع قلال من ذهب وورق، فأبغضته بغضاً شديداً لما رأيته يصنع.
ثم مات واجتمعت النصارى ليدفنوه، فقلت لهم: إن هذا كان رجل سوء،
يأمركم بالصدقة يرغبكم فيها، فإذا جئتموه بها اكتنزها لنفسه، ولم يعط المساكين
منها شيئا. فقالوا لي: وما علمك بذلك؟ قلت: أنا أدلكم على كنزه، فأريتهم موضعه،
فاستخرجوا سبع قلال مملوءة ذهباً وورقاً، فلما رأوها، قالوا: والله لا ندفنه
أبدا، فصلبوه ورموه بالحجارة!!.
وجاؤا برجل آخر فجعلوه مكانه، فما رأيت رجلا يصلى أرى أنه أفضل
منه، ولا أزهد في الدنيا، ولا أرغب في الآخرة، ولا أدأب ليلاً ولا نهاراً منه،
فأحببته حبا لم أحبه شيئا قبله، فأقمت معه زمانا، ثم حضرته الوفاة، فقلت له:
يا فلان إني قد كنت معك وأحببتك حبا لم أحبه شيئا قبلك، وقد
حضرك من أمر الله ما ترى، فإلى من توصي بي وبم تأمرني؟ فقال: أي بني، والله ما
أعلم أحدا على ما كنت عليه، ولقد هلك الناس وبدلوا، وتركوا أكثر ما كانوا عليه،
إلا رجلا بالموصل وهو فلان، وهو على ما كنت عليه.
فلما مات وغيب لحقت بصاحب الموصل، فقلت له:يا فلان، إن فلان
أوصاني عند موته أن ألحق بك، وأخبرني أنك على أمره، فقال أقم عندي، فأقمت عنده
فوجدته خير رجل على أمر صاحبه.
فلما حضرته الوفاة قلت له:يا فلان، إن فلان قد أوصى بي إليك
وأمرني باللحوق بك وقد حضرك من أمر الله ما ترى، فإلى من توصي بي، وبم تأمرني؟
قال:يا بني، والله ما أعلم رجلا على مثل ما كنا عليه إلا رجلا بنصيبين وهو فلان
فالحق به، فلما مات وغيب لحقت بصاحب نصيبين فأخبرته خبري وما أمرني به صاحبي،
فقال:أقم عندي.
فأقمت عنده فوجدته على أمر صاحبه، فأقمت مع خير رجل، فوالله ما
لبث أن نزل به الموت، فلما حضر قلت له:يا فلان، إن فلانا أوصي بي إلى فلان، ثم
أوصى بي فلان إليك فإلى من توصي بي؟ وبم تأمرني؟ فقال:يا بني، والله ما أعلمه
بقي أحد على أمرنا آمرك أن تأتيه إلا رجلا بعمورية، من أرض الروم، فإنه على مثل
ما نحن عليه، فإن أحببت فأته.
فلما مات وغيّب لحقت بصاحب عمورية فأخبرته خبري، فقال:أقم عندي،
فأقمت عند خير رجل على هدى أصحابه وأمرهم، فاكتسبت حتى كانت لي بقيرات وغنيمة.
ثم نزل به أمر الله، فلما حضر قلت له:يا فلان، إني كنت مع فلان
فأوصى بي إلى فلان، ثم أوصى بي فلان إليك، فإلى من توصي بي؟ وبم تأمرني؟ قال:يا
بني، والله ما أعلمه أصبح على مثل ما كنا عليه أحد من الناس آمرك أن
تأتيه؛ ولكنه قد أظل زمان نبي مبعوث بدين إبراهيم يخرج بأرض العرب، مهاجره إلى
أرض بين حرتين، بينهما نخل، به علامات لا تخفى:
يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، بين كتفيه خاتم النبوة، فإن
استطعت أن تلحق بتلك البلاد فافعل، ثم مات وغيب، فمكثت بعمورية ما شاء الله أن
أمكث.
ثم مر بي نفر من كلب تجار فقلت لهم:احملوني إلى أرض العرب،
وأعطيكم بقيراتي هذه وغنيمتي هذه، قالوا:نعم، فأعطيتموها، فحملوني معهم، حتى
إذا بلغوا وادي القرى، ظلموني فباعوني إلى رجل يهودي، فكنت عنده، فرأيت النخل،
فرجوت أن يكون البلد الذي وصف لي صاحبي ولم يحق في نفسي.
فبينا أنا عنده إذ قدم عليه ابن عم له من بني قريظة من المدينة،
فابتاعني منه فحملني إلى المدينة، فوالله ما هو إلا أن رأيتها فعرفتها بصفة
صاحبي، فأقمت بها.
وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقام بمكة ما أقام لا أسمع
له بذكر مع ما أنا فيه من شغل الرق.
ثم هاجر إلى المدينة، فوالله إني لفي رأس عذق لسيدي أعمل فيه
بعض العمل وسيدي جالس تحتي إذ أقبل ابن عم له حتى وقف عليه، فقال:يا فلان قاتل
الله بني قيلة، والله إنهم الآن لمجتمعون معنا على رجل قدم عليهم من مكة اليوم
يزعمون أنه نبي.
فلما سمعتها أخذتني العرواء حتى ظننت أني ساقط على سيدي، فنزلت
عن النخلة فجعلت أقول لابن عمه:ذلك ما تقول؟ فغضب سيدي فلكمني لكمة شديدة، ثم
قال:مالك ولهذا؟ أقبل على عملك! فقلت: لا شيء، إنما أردت أن أستثبته عما قال.
وقد كان عندي شيء جمعته فلما أمسيت أخذته ثم ذهبت به إلى رسول
الله صلى الله عليه وسلم وهو بقبا فدخلت عليه، فقلت له إنه قد بلغني أنك رجل
صالح، ومعك أصحاب لك غرباء ذوو حاجة، وهذا شيء كان عندي للصدقة، فرأيتكم أحق به
من غيركم، فقربته إليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه:((كلوا))
وأمسك فلم يأكل، فقلت في نفسي:هذه واحدة، ثم انصرفت عنه فجمعت شيئا.
وتحول رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ثم جئته به،
فقلت:إني قد رأيتك لا تأكل الصدقة، وهذه هدية أكرمتك بها، فأكل رسول الله صلى
الله عليه وسلم، وأمر أصحابه فأكلوا معه
فقلت في نفسي:هاتان اثنتان، ثم جئت رسول الله وهو ببقيع الغرقد
قد تبع جنازة رجل من أصحابه، وعلي شملتان لي، وهو جالس في أصحابه، فسلمت عليه،
ثم استدرت أنظر إلى ظهره هل أرى الخاتم الذي وصف لي صاحبي، فلما رآني صلى الله
عليه وسلم استديرته عرف أني أستثبت في شيء وصف لي، فألقى الرداء عن ظهره، فنظرت
إلى الخاتم فعرفته فأكببت عليه أقبله وأبكي، فقال لي رسول الله صلى الله عليه
وسلم:
((تحول)) فتحولت فجلست بين يديه، فقصصت عليه حديثي كما
حدثتك يا ابن عباس، فأعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسمع ذلك أصحابه، ثم
شغل سلمان الرق حتى فاته مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدر واحد، قال سلمان:
ثم قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كاتب يا سلمان))
فكاتبت صاحبي على ثلاثمائة نخلة أحييها له بالفقير، وأربعين أوقية، فقال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: ((أعينوا أخاكم)) فأعانوني بالنخل: الرجل بثلاثين
ودية، والرجل بعشرين ودية، والرجل بخمسة عشر، والرجل بعشر، يعينني الرجل بقدر
ما عنده، حتى اجتمعت لي ثلاثمائة ودية، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم:
((اذهب يا سلمان ففقر لها، فإذا فرغت فأتني أكن أنا أضعها
بيدي)) ففقرت، وأعانني أصحابي حتى إذا فرغت جئته فأخبرته، فخرج معي إليها،
فجعلنا نقرب إليه الودي ويضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده حتى فرغت،
فوالذي نفس سلمان بيده ما ماتت منها ودية واحدة، فأديت النخل وبقي على المال.
فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل بيضة الدجاجة من ذهب من
بعض المعادن، فقال: ((ما فعل الفارسي المكاتب؟)) فدعيت له، فقال ((خذ هذه فأدها
مما عليك يا سلمان)) فقلت:وأين تقع يا رسول الله مما علي؟ !قال: ((خذها فإن
الله سيؤدى بها)) فأخذتها فوزنت منها لهم والذي نفسي بيده أربعين أوقية
فأوفيتهم حقهم، فشهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الخندق، ثم لم يفتني معه
مشهد.
قصة هرقل
(فصل) إسلام هرقل ملك الشام
وكان ملك الشام أحد أكابر علمائهم بالنصرانية (هرقل)قد عرف أنه
رسول الله صلى الله عليه وسلم حقا، وعزم على الإسلام فأبى عليه النصارى، فخافهم
على نفسه، وضل بملكه مع علمه بأنه سينقل عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
وأمته.
ونحن نسوق قصته، ففي الصحيحين من حديث عبد الله بن عباس أن أبا
سفيان أخبره من فِيه إلى فِيه، قال:انطلقت في المدة التي كانت بيني وبين رسول
الله صلى الله عليه وسلم، قال:فبينا أنا بالشام إذ جيء بكتاب رسول الله صلى
الله عليه وسلم إلى هرقل، وقد كان دحية بن خليفة جاء به، فدفعه إلى عظيم بصرى،
فدفعه عظيم بصرى إلى هرقل، فقال هرقل:هل ههنا أحد من قوم هذا الرجل الذي يزعم
أنه نبي؟
قالوا: نعم، قال: فدعيت في نفر من قريش، فدخلنا على هرقل،
فأجلسنا بين يديه، وأجلسوا أصحابي خلفي، فدعا بترجمانه، فقال:قل لهم إني سائل
هذا عن الرجل الذي يزعم أنه نبي، فإن كذبني فكذبوه، فقال أبو سفيان: وأيم الله،
لولا مخافة أن يؤثر علي الكذب لكذبت، ثم قال لترجمانه: سله كيف حسبه فيكم؟ قال:
قلت: هو فينا ذو حسب، قال: فهل كان من آبائه
من ملك؟ قلت: لا. قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما
قال؟ قلت: لا. قال: ومن اتبعه أشراف الناس أم ضعفاءهم؟ قلت: بل ضعفاؤهم، قال:
أيزيدون أم ينقصون؟ قلت: لا، بل يزيدون، قال: فهل يرتد أحد منهم عن دينه بعد أن
يدخل فيه سخطة له قال: قلت: لا، قال: فهل قاتلتموه؟ قلت: نعم، قال: فكيف كان
قتالكم إياه؟
قال: قلت: يكون الحرب بيننا وبينه سجالا، يصيب منا ونصيب منه،
قال: فهل يغدر؟ قلت: لا، ونحن منه في مدة ما ندري ما هو صانع فيها، قال: فوالله
ما أمكنني من كلمة أدخل فيها شيئاً غير هذه، قال: فهل قال هذا القول أحد قبله؟
قلت: لا، قال لترجمانه: قل له أني سألتك عن حسبه، فزعمت أنه فيكم ذو حسب، وكذلك
الرسل تبعث في أحساب قومها.
وسألتك هل كان في آبائه ملك، فزعمت أن لا، فقلت: لو كان في
آبائه ملك، لقلت رجل يطلب ملك آبائه.
وسألتك عن أتباعه أضعفاؤهم أم أشرافهم؟ فقلت: بل ضعفاؤهم، وهم
أتباع الرسل.
وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فزعمت أن
لا، فقد عرفت أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس، ثم يذهب فيكذب على الله عز وجل.
وسألتك هل يرتد أحد منهم عن دينه بعد أن يدخله سخطة له؟ فزعمت
أن لا، وكذلك الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب.
وسألتك هل يزيدون أم ينقصون؟ فزعمت أنهم يزيدون؟ وكذلك الإيمان
حتى يتم.
وسألتك هل قاتلتموه؟ فزعمت أنكم قاتلتموه فيكون الحرب بينكم
وبينه سجالا ينال منكم وتنالون منه، وكذلك الرسل تبتلى، ثم تكون لها العاقبة.
وسألتك هل يغدر؟ فزعمت أنه لا يغدر، وكذلك الرسل لا تغدر.
وسألتك هل قال هذا القول أحد قبله؟ فزعمت أن لا، فقلت: لو قال
هذا القول أحد من قبله قلت: رجل إئتم بقول قيل قبله.
ثم قال: فبم يأمركم؟ قلت: يأمرنا بالصلاة، والزكاة، والصلة،
والعفاف، قال إن يكن ما تقول حقا إنه لنبي، وقد كنت أعلم أنه خارج ولكن لم أكن
أظنه منكم، ولو أعلم أني أخلص إليه لا حببت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن
قدميه، وليبلغن ملكه ما تحت قدمي.
ثم دعا بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأه، فإذا فيه
((بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من
اتبع الهدى، أما بعد:
فإني أدعوك بدعاية إذ أسلم تسلم، أسلم يؤتك الله أجرك مرتين،
وإن توليت فإن عليك لعنة الأريسيين و (يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء
بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا
من دون الله، فإن تولوا فقولوا أشهد بأنا مسلمون) فلما قرأه، وفرغ من قراءة
الكتاب، ارتفعت الأصوات عنده، وكثر اللغط، وأمر بنا فأخرجنا.
ثم أذن هرقل عظماء الروم في دسكرة له بحمص، ثم أمرا بأبوابها
فغلقت، ثم أطلع فقال: يا معشر الروم! هل لكم في الفلاح والرشد، وأن تثبت
مملكتكم فتبايعوا هذا النبي؟ فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب فوجدوها قد غلقت، فلما رأى هرقل نفرتهم، وأيس من الإيمان، قال: ردوهم علي، فقال: إني
قلت مقالتي آنفا أختبر بها شدتكم على دينكم، فقد رأيت، فسجدوا له، ورضوا عنه.
فهذا ملك الروم، وكان من علمائهم أيضا، عرف وأقر أنه نبي، وأنه
سيملك ما تحت قدميه، وأحب الدخول في الإسلام، فدعى قومه إليه فولوا عنه معرضين
كأنهم حمر مستنفرة، فرت من قسورة، فمنعه من الإسلام الخوف على ملكه ورياسته،
ومنع أشباه الحمير ما منع الأمم قبلهم.
ولما عرف ((النجاشي ملك الحبشة)) أن النصارى لا يخرجون عن عبادة
الصليب إلى عبادة الله وحده أسلم سرا، وكان يكتم إسلامه بينهم هو وأهل بيته،
ولا يمكنه مجاهرتهم.
ذكر ابن إسحاق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أرسل إليه عمرو
بن أمية الضمري رضي الله عنه، مكانه يدعوه إلى الإسلام،
فقال له عمرو: يا أصحمة!علي القول وعليك الاستماع، إنك كأنك في
الرقة علينا منا وكانا في الثقة بك منك لأنا لم نظن بك خيرا قط إلا نلناه، ولم
نخفك على شيء قط إلا أمناه، وقد أخذنا الحجة عليك من فيك الإنجيل بيننا وبينك
شاهد لا يرد، وقاض لا يجور، وفي ذلك موقع الحز، وإصابة المفصل، وإلا فأنت في
هذا النبي الأمي كاليهود في عيسى ابن مريم.
وقد فرق النبي صلى الله عليه وسلم رسله إلى الناس فرجاك لما لم
يرجهم له، وأمنك على ما خافهم عليه لخبر سالف، وأجر منتظر، فقال النجاشي: أشهد
بالله إنه للنبي الأمي الذي ينتظره أهل الكتاب، وإن بشارة موسى براكب الحمار
كبشارة عيسى براكب الجمل، وإن العيان ليس بأشفى من الخبر.
قال الواقدي: وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه ((بسم
الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى النجاشي ملك الحبشة: أسلم أنت فإني
أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن، وأشهد
أن عيسى ابن مريم روح الله وكلمته، ألقاها إلى مريم البتول الطيبة الحصينة،
حملت بعيسى فخلقه من روحه ونفخه، كما خلق آدم بيده.
وإني أدعوك إلى الله وحده لا شريك له، والموالاة على طاعته، وإن
تتبعني وتؤمن بالذي جاءني، فإني رسول الله إليك، وإني أدعوك وجنودك إلى الله عز
وجل، وقد بلغت، ونصحت، فاقبلوا نصيحتي، والسلام على من اتبع الهدى)).
فكتب إليه النجاشي: بسم الله الرحمن الرحيم، إلى محمد رسول الله
من النجاشي أصحمة، سلام عليك يا نبي الله من الله وبركات الله الذي لا إله إلا
هو، أما بعد:
فلقد بلغني كتابك فيما ذكرت من أمر عيسى، فورب السماء والأرض إن
عيسى لا يزيد على ما ذكرت تفروقا، إنه كما ذكرت وقد عرفنا ما بعثت به إلينا،
وقد قر بنا ابن عمك وأصحابه، فأشهد إنك رسول الله صادقا مصدقا، وقد
بايعتك وبايعت ابن عمك، وأسلمت على يديه لله رب العالمين.
و((التفروق)): علامة تكون بين النواة والتمرة.
قصة المقوقس
(فصل) دعوة ملك مصر إلى الإسلام
وكذلك ((ملك دين النصرانية بمصر)) عرف أنه نبي صادق، ولكن منعه
من اتباعه ملكه، وأن النصارى لا يتركون عبادة الصليب، ونحن نسوق حديثه وقصته.
قال الواقدي: كتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((بسم
الله الرحمن الرحيم، من محمد بن عبد الله إلى المقوقس عظيم القبط، سلام على من
اتبع الهدى، أما بعد:
فإني أدعوك بداعية الإسلام أسلم تسلم، أسلم يؤتك الله أجرك
مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم القبط (يا أهل الكتب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا
وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من
دون الله، فإن تولوا فقولوا اشهدوا بانا مسلمون) وختم الكتاب.
فخرج به حاطب حتى قدم عليه الإسكندرية، فانتهى إلى حاجبه، فلم
يلبثه أن أوصل إليه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال حاطب للمقوقس لما
لقيه: إنه قد كان قبلك رجل يزعم أنه الرب الأعلى (فأخذه الله نكال الآخرة
والأولى) فانتقم به، ثم انتقم منه، فاعتبر بغيرك، ولا يعتبر بك غيرك، قال: هات،
قال:
إن لنا دينا لن ندعه إلا لما هو خير منه وهو الإسلام الكافي به
الله فقد ما سواه، إن هذا النبي دعا الناس فكان أشدهم عليه قريش، وأعداهم له
اليهود، وأقربهم منه النصارى، ولعمري ما بشارة موسى بعيسى إلا كبشارة عيسى
بمحمد، وما دعاؤنا إياك إلى القرآن إلا كدعائك أهل التوراة إلى الإنجيل، وكل
نبي أدرك قوما فهم من أمته، فالحق عليهم أن يطيعوه، فأنت ممن أدرك هذا النبي،
ولسنا ننهاك عن دين المسيح، ولكنا نأمرك به، فقال المقوقس: إني قد نظرت في أن
هذا النبي، فرأيته لا يأمر بمزهود فيه، ولا ينهى عن مرغوب عنه، ولم أجده
بالساحر الضال، ولا الكاهن الكاذب، ووجدت معه آلة النبوة من إخراج الخبء،
والإخبار بالنجوى، ووصف لحاطب أشياء من صفة النبي صلى الله عليه وسلم، وقال
القبط: لا يطاوعونني في اتباعه، ولا أحب أن تعلم بمحاورتي إياك، وأنا أضن بملكي
أن أفارقه، وسيظهر على بلادي وينزل بساحتي هذه أصحابه من بعده، فارجع إلى
صاحبك.
وأخذ كتاب النبي صلى الله عليه وسلم فجعله في حق من عاج، وختم
عليه، ودفعه إلى جارية له، ثم دعا كاتبا له يكتب العربية، فكتب: بسم الله
الرحمن الرحيم لمحمد بن عبد الله، من المقوقس عظيم القبط، سلام عليك، أما بعد:
فقد قرأت كتابك، وفهمت ما ذكرت فيه، وما تدعوا إليه، وقد علمت
أن نبيا بقي، وكنت أظن أنه يخرج بالشام، وقد أكرمت رسولك، وبعثت إليك بجاريتين
لهما مكان في القبط عظيم، وبكسوة، وأهديت إليك بغلة لتركبها، والسلام
عليك، ولم يزد.
((والجاريتان)): مارية، وسيرين. و((البغلة)): دلدل، وبقيت إلى
زمن معاوية، قال حاطب: فذكرت قوله لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ((ضن
الخبيث بملكه، ولا بقاء لملكه)).
قصة ابني الجلندي
(فصل) دعوة ملكا عمان إلى الإسلام
وكذلك ((ابنا الجلندي ملكا عمان وما حولها)) من ملوك النصارى،
أسلما طوعا واختيارا، ونحن نذكر قصتهما، وكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم
إليهما، وهذا لفظه:
((بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد بن عبد الله إلى حيفر وعبيد
ابني الجلندي، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد:
فإني أدعوكما بداعية الإسلام أسلما تسلما، فإني رسول الله إلى
الناس كافة لأنذر من كان حيا، ويحق القول على الكافرين، وأنكما إن أقررتما
بالإسلام وليتكما مكانكما، وإن أبيتما أن تقرا بالإسلام فإن ملككما زائل عنكما،
وخيلي تحل بساحتكما، وتظهر نبوتي على ملككما)).
وختم الكتاب، وبعث به مع عمرو بن العاص قال عمرو: فخرجت حتى
انتهيت إلى عمان، فلما قدمتها انتهيت إلى عبيد وكان أحلم الرجلين وأسهلهما
خلقا، فقلت: إني رسول رسول الله إليك وإلى أخيك، فقال: أخي المقدم علي بالسن
والملك، وأنا أوصلك إليه حتى يقرأ كتابك، ثم قال لي: وما تدعو إليه؟ قلت: أدعوك
إلى الله وحده لا شريك له، وتخلع ما عبد من دونه، وتشهد أن محمدا عبده ورسوله،
قال:
يا عمرو، إنك سيد قومك، فكيف صنع أبوك فإن لنا فيه قدوة؟ قلت:
مات ولم يؤمن بمحمد، ووددت أنه كان أسلم وصدق به، وكنت أنا على مثل رأيه حتى
هداني الله للإسلام، قال: فمتى تبعته؟ قلت: قريبا، فسألني: أين كان إسلامي؟
فقلت: عند النجاشي، وأخبرته أن النجاشي قد أسلم، قال: فكيف صنع قومه بملكه؟
قلت: أقروه، قال: والأساقفة والرهبان؟ قلت: نعم.
قال: انظر يا عمرو، ما تقول إنه ليس خصلة في رجل أفضح له من
كذب، قلت: ما كذبت وما نستحله في ديننا، ثم قال: ما أرى هرقل علم بإسلام
النجاشي، قلت: بلى، قال: بأي شيء علمت ذلك؟ قلت كان النجاشي يخرج له خراجا،
فلما أسلم وصدق بمحمد، قال: لا والله لو سألني درهما واحدا ما أعطيته، فبلغ
هرقل قوله، فقال له نياق أخوه: أتدع عبدك لا يخرج لك خراجا ويدين دينا محدثا؟
قال هرقل: رجل رغب في دين واختاره لنفسه ما أصنع به، والله لولا
الضن بملكي لصنعت كما صنع، قال: انظر ما تقول يا عمرو؟ قلت: والله لقد صدقتك،
قال: عبد فأخبرني ما الذي يأمر به وينهى عنه؟ قلت: يأمر بطاعة الله عز وجل،
وينهى عن معصيته، ويأمر بالبر، وصلة الرحم، وينهى عن الظلم والعدوان، وعن
الزنا، وشرب الخمر، وعن عبادة الحجر، والوثن، والصليب، فقال: ما أحسن
هذا الذي يدعوا إليه لو كان أخي يتابعني لركبنا حتى نؤمن بمحمد، ونصدق به، ولكن
أخي أضن بملكه من أن يدعه، ويصير دينا، قلت: إنه أن أسلم ملكه رسول الله صلى
الله عليه وسلم على قومه، فأخذ الصدقة من غنيهم فردها على فقيرهم، قال: إن هذا
لخلق حسن، وما الصدقة؟
فأخبرته بما فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصدقات في
الأموال حتى انتهيت إلى الإبل، فقال: يا عمرو ويؤخذ من سوائم مواشينا التي ترعى
الشجر، وترد المياه؟ فقلت: نعم، فقال: والله ما أرى قومي في بعد دارهم، وكثرة
عددهم، يطيعون بهذا، قال: فمكثت ببابه أياما وهو يصل إلى أخيه فيخبره كل خبري،
ثم إنه دعاني يوما فدخلت عليه فأخذ أعوانه بضبعي، فقال:
دعوه، فأرسلت، فذهبت لأجلس، فأبوا أن يدعوني أجلس، فنظرت إليه
فقال: تكلم بحاجتك، فدفعت إليه الكتاب مختوما، ففض خاتمه فقرأه حتى انتهى إلى
آخره، ثم دفعه إلى أخيه، فقرأه مثل قراءته، إلا أني رأيت أخاه أرق منه، ثم قال:
ألا تخبرني عن قريش كيف صنعت؟ فقلت: اتبعوه، إما راغب في الإسلام وإما مقهور
بالسيف، قال: ومن معه؟
قلت: الناس قد رغبوا في الإسلام واختاروه على غيره، وعرفوا
بعقولهم مع هدى الله إياهم أنهم كانوا في ضلال، فما أعلم أحدا بقي غيرك في هذه
الحرجة، وإن أنت لم تسلم اليوم وتتبعه يوطئك الخيل، ويبيد خضرائك، فأسلم تسلم،
ويستعملك على قومك، ولا تدخل عليك الخيل والرجال، قال: دعني يومي هذا وارجع إلى
غدا.
فرجعت إلى أخيه فقال:يا عمرو إني لأرجو أن يسلم إن لم يضن بملكه
حتى إذا كان الغد أتيت إليه فأبى أن يأذن لي، فانصرفت إلى أخيه فأخبرته إني لم
أصل إليه، فأوصلني إليه، فقال: إني فكرت فيما دعوتني إليه فإذا أنا أضعف العرب
إن ملكت رجلا ما في يدي وهو لا يبلغ خيله ههنا، وإن بلغت خيله ألفت قتالا ليس
كقتال من لاقا، قلت: وأنا خارج غدا، فلما أيقن بمخرجي خلا به أخوه، فقال: ما
نحن فيما قد ظهر عليه، وكل من أرسل إليه قد أجابه.
فأصبح، فأرسل إليّ، فأجاب إلى الإسلام هو وأخوه جميعا، وصدقا
النبي صلى الله عليه وسلم، وخليا بيني وبين الصدقة وبين الحكم فيما بينهم،
وكانا لي عونا على من خالفني.
صاحب اليمامة
(فصل) دعوة صاحب اليمامة إلى الإسلام
وكتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى هوادة بن علي الحنفي ((صاحب
اليمامة)):بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى هوذة بن علي سلام على
من اتبع الهدى، واعلم أن ديني سيظهر إلى منتهى الخف والحافر، فأسلم تسلم، أجعل
لك ما تحت يدك.
وكان عنده أركون دمشق عظيم من عظماء النصارى، فسأله عن النبي
صلى الله عليه وسلم؟ وقال:قد جاءني كتابه يدعوني إلى الإسلام فقال له: الأركون
لم لا تجيبه؟ فقال:ضننت بديني، وأنا ملك قومي إن اتبعته لم أملك، قال:بلى، والله لئن
اتبعته ليملكنك وإن الخيرة لك في اتباعه، وإنه للنبي العربي بشر به عيسى ابن
مريم والله إنه لمكتوب عندنا في الإنجيل.
قصة الحارث
(فصل) دعوة الحارث بن أبي شمر إلى الإسلام
وذكر الواقدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث شجاع بن وهب
إلى ((الحارث ابن أبي شمر)) وهو بغوطة دمشق، فكتب إليه مرجعه من الحديبية ((بسم
الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى الحرث ابن أبي شمر، سلام على من
اتبع الهدى وآمن به وصدق، وإني أدعوك إلى أن تؤمن بالله وحده لا شريك له يبقى
لك ملكك)).
وختم الكتاب، فخرج به شجاع بن وهب، قال:فانتهيت إلى حاجبه فأجده
يومئذ وهو مشغول بتهيئة الأنزال والألطاف لقيصر، وهو جاء من حمص إلى إيليا حيث
كشف الله عنه جنود فارس شكرا لله عز وجل.
قال: فأقمت على بابه يومين أو ثلاثة فقلت لحاجبه: إني رسول رسول
الله إليه فقال حاجبه:لا تصل إليه حتى يخرج يوم كذا وكذا، وجعل حاجبه وكان
روميا اسمه: مرى، يسألني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يدعو إليه؟ فكنت
أحدثه فيرق حتى يغلبه البكاء، ويقول: إني قرأت في الإنجيل وأجد صفة هذا النبي
بعينه.
فكنت أراه يخرج بالشام فأراه قد خرج بأرض العرب، فأنا أؤمن به
وأصدقه وأنا أخاف من الحارث ابن أبي شمر أن يقتلني.
قال شجاع:فكان هذا الحاجب يكرمني ويحسن ضيافتي، ويخبرني عن
الحارث باليأس منه ويقول: هو يخاف قيصر، قال: فخرج الحارث يوما وجلس فوضع التاج
على رأسه فأذن لي عليه، فدفعت إليه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأه،
وقال: من ينتزع مني ملكي؟ !أنا سائر إليه ولو كان باليمن جئته، عليّ بالناس،
فلم يزل جالسا يعرض حتى الليل، وأمر بالخيل أن تنعل.
ثم قال:أخبر صاحبك ما ترى، وكتب إلى قيصر يخبره خبري فصادف قيصر
بإيليا وعنده دحية الكلبي قد بعثه إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما قرأ
قيصر كتاب الحارث كتب إليه أن لا تسر إليه وأنه عنه ووافني بإيليا.
قال:ورجع الكتاب وأنا مقيم، فدعاني، وقال:متى تريد أن تخرج إلى
صاحبك؟ قلت:غدا، فأمر لي بمائة مثقال ذهبا، ووصلني مرى بنفقة وكسوة، وقال:أقرأ
على رسول الله صلى الله عليه وسلم مني السلام، وأخبره أني متبع دينه.
قال:شجاع فقدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته
فقال:((باد ملكه)) وأقرأته من مرى السلام وأخبرته بما قال، فقال رسول الله صلى
الله عليه وسلم:((صدق)).
ونحن إنما ذكرنا بعض ملوك الطوائف الذين آمنوا به، وأكابر
علمائهم وعظمائهم، ولا يمكننا حصر من عداهم وهم جمهور أهل الأرض، ولم يتخلف عن
متابعته إلا الأقلون، وهم إما مسالم له قد رضي بالذلة والجزية والهوان، وإما
خائف منه فأهل الأرض معه ثلاثة أقسام:مسلمون له، ومسالمون له، وخائفون منه.
قصة عبد الله بن سلام
ولو لم يسلم من اليهود في زمنه إلا سيدهم على الإطلاق وابن
سيدهم وعالمهم وابن عالمهم باعترافهم له بذلك وشهادتهم ((عبد الله بن سلام))
لكان في مقابلة كل يهودي على وجه الأرض فيكف وقد تابعه على الإسلام من الأحبار
والرهبان من لا يحصى عددهم إلا الله، ونحن نذكر قصة عبد الله بن سلام.
فروى البخاري في صحيحه من حديث عبد العزيز بن صهيب عن أنس بن
مالك، قال:أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فقالوا:
جاء نبي الله، فاستشرفوا ينظرون إذ سمع به عبد الله بن سلام وهو
في نخل لأهله يخترف لهم منه، فعجل أن يضع الذي يخترف لهم فيها فجاء وهي معه،
فسمع من نبي الله صلى الله عليه وسلم ثم رجع إلى أهله.
فلما خلا نبي الله صلى الله عليه وسلم جاء عبد الله بن سلام،
فقال:أشهد أنك نبي الله حقا وأنك جئت بالحق، ولقد علمت اليهود أني سيدهم وابن
سيدهم وأعلمهم وابن أعلمهم، فادعهم فاسألهم عني قبل أن يعلموا أني قد أسلمت،
فإنهم إن يعلموا أني قد أسلمت قالوا فيّ ما ليس فيّ.
فأرسل نبي الله صلى الله عليه وسلم إليهم فدخلوا عليه، فقال لهم
نبي الله صلى الله عليه وسلم:
((يا معشر اليهود ويلكم!اتقوا الله، فوالله الذي لا إله إلا هو
إنكم لتعلمون أني رسول الله حقا، وأني جئتكم بحق، أسلموا)) قالوا:ما نعلمه
فأعادها عليهم ثلاثا وهم يجيبونه، كذلك قال:((أي رجل فيكم عبد الله بن سلام؟))
قالوا:ذاك سيدنا وابن سيدنا وأعلمنا وابن أعلمنا، قال ((أفرأيتم إن أسلم))
قالوا:حاشا لله ما كان ليسلم، فقال:((يا ابن سلام اخرج عليهم)).
فخرج إليهم، فقال:يا معشر اليهود ويلكم اتقوا الله! فوالله الذي
لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أنه رسول الله حقا، وأنه جاء بالحق، فقالوا: كذبت
فأخرجهم النبي صلى الله عليه وسلم.
وفي صحيح البخاري أيضا من حديث حميد عن أنس، قال:
سمع عبد الله بن سلام بقدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو
في أرض له، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال:إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن
إلا نبي:
ما أول أشراط الساعة؟
وما أول طعام أهل الجنة؟
وما ينزع الولد إلى أبيه أو إلى أمه؟
قال: ((أخبرني بهن جبريل آنفا)) قال:جبريل؟ قال: ((نعم)) قال:
ذاك عدو اليهود من الملائكة، قال:((ثم قرأ هذه الآية (من كان عدوا لجبريل فإنه
نزله على قلبك بإذن الله) أما أول أشراط الساعة فنار تخرج على الناس من
المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد حوت، وإذا سبق
ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد إلى أبيه، وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل نزع
الولد إلى أمه))
فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله، إن اليهود
قوم بهت، وأنهم إن يعلموا بإسلامي قبل أن تسألهم عني بهتوني، فجاءت اليهود
إليه، فقال:((أي رجل فيكم عبد الله بن سلام))؟ قالوا:خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا
وابن سيدنا، قال: ((أرأيتم إن أسلم عبد الله بن سلام)) قالوا:أعاذه الله من
ذلك.
فخرج عبد الله فقال:أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا
رسول الله، قالوا:شرنا وابن شرنا. وانتقصوه، قال:هذا الذي كنت أخاف يا رسول
الله.
وقال ابن إسحق: حدثني عبد الله ابن أبي بكر، عن يحي بن عبد
الله، عن رجل من آل عبد الله بن سلام، قال:كان من حديث عبد الله بن سلام حين
أسلم، وكان حبرا عالما، قال:سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرفت صفته
واسمه وهيأته والذي كنا نتوكف له، فكنت مسرا لذلك صامتا عليه حتى قدم رسول الله
صلى الله عليه وسلم المدينة.
فلما قدم نزل معنا في بني عمرو بن عوف، فأقبل رجل حتى أخبر
بقدومه وأنا في رأس نخلة لي أعمل فيها، وعمتي خالدة بنت الحارث تحتي جالسة،
فلما سمعت الخبر بقدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم، كبرت.
فقالت لي عمتي حين سمعت تكبيري:لو كنت سمعت بموسى بن عمران ما
زدت، قال: قلت لها: أي عمة، هو والله أخو موسى بن عمران وعلى دينه بعث بما بعث
به، فقالت:يا ابن أخي أهو النبي الذي كنا نبشر به أنه يبعث مع نفس الساعة؟
قال:قلت لها:نعم، قالت:فذاك إذا.
قال: ثم خرجت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلمت، ثم رجعت
إلى أهل بيتي فأمرتهم فأسلموا، وكتمت إسلامي من اليهود.
ثم جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت:إن اليهود قوم بهت
وإني أحب أن تدخلني في بعض بيوتك تغيبني عنهم ثم تسألهم عني كيف أنا فيهم قبل
أن يعلموا بإسلامي، فإنهم إن علموا بذلك بهتوني وعابوني، قال:فأدخلني بعض
بيوته، فدخلوا عليه فكلموه وسألوه، فقال لهم:
((أي رجل عبد الله بن سلام فيكم؟)) قالوا:سيدنا وابن سيدنا
وحبرنا وعالمنا، قال:فلما فرغوا من قولهم خرجت عليهم، فقلت لهم:يا معشر اليهود
اتقوا الله واقبلوا ما جاءكم به، فوالله إنكم لتعلمون أنه رسول الله تجدونه
مكتوبا عندكم في التوراة اسمه وصفته، فإني أشهد أنه رسول الله، وأومن به وأصدقه
وأعرفه.
قالوا:كذبت، ثم وقعوا فيّ، فقلت:يا رسول الله، ألم أخبرك أنهم
قوم بهت أهل غدر وكذب وفجور؟ قال:فأظهرت إسلامي وأسلم أهل بيتي وأسلمت عمتي ابنة الحارث فحسن إسلامها.
وفي مسند الإمام أحمد وغيره عنه قال:لما قدم رسول الله صلى الله
عليه وسلم المدينة وانجفل الناس قبله، فقالوا:قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال:فجئت في الناس لأنظر إلى وجهه، فلما رأيت وجهه عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب،
فكان أول شيء سمعته منه أن قال:((يا أيها الناس أطعموا الطعام، وأفشوا السلام،
وصلوا الأرحام، وصلوا والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام)).
فعلماء القوم وأحبارهم كلهم كانوا كما قال الله عز وجل:(الذين
آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم)فمنهم من آثر الله ورسوله والدار
الآخرة، ومنهم من آثر الدنيا وأطاع داعي الحسد والكبر.
وفي مغازي موسى بن عقبة عن الزهري، قال:كان بالمدينة مقدم رسول
الله صلى الله عليه وسلم أوثان تعبدها رجال من أهل المدينة لا يتركونها، فأقبل
عليهم قومهم وعلى تلك الأوثان فهدموها، وعمد أبو ياسر بن أخطب أخو حيي بن
أخطبوهو أبو صفية زوج النبي صلى الله عليه وسلم فجلس إلى النبي صلى الله عليه
وسلم، فسمع منه وحادثه، ثم رجع إلى قومه وذلك قبل أن تصرف القبلة نحو المسجد
الحرام.
فقال أبو ياسر:يا قوم أطيعوني فإن الله عز وجل قد جاءكم بالذي
كنتم تنتظرون، فاتبعوه ولا تخالفوه، فانطلق أخوه حيي حين سمع ذلك - وهو سيد
اليهود يومئذ وهما من بني النضير -
فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فجلس إليه، وسمع منه فرجع إلى
قومه وكان فيهم مطاعا، فقال:أتيت من عند رجل والله لا أزال له عدوا أبدا، فقال
له أخوه أبو ياسر:يا ابن أمي أطعني في هذا الأمر، ثم اعصني فيما شئت بعده لا
تهلك، قال:لا والله لا أطيعك واستحوذ عليه الشيطان فاتبعه قومه على رأيه.
وذكر ابن إسحاق عن عبد الله ابن أبي بكر عمن حدثه عن صفية بنت
حيي، أنها قالت:لم يكن من ولد أبي وعمي أحد أحب إليهما مني لم ألقهما في ولد قط
إلا أخذاني دونه.
فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم قبا نزل في نبي عمرو بن
عوف، فغدا إليه أبي وعمي أبو ياسر ابن أخطب مغلسين، فوالله ما جاءا إلا مع مغيب
الشمس، فجاءا فاترين كسلين ساقطين يمشيان الهوينا، فهششت إليهما كما كنت أصنع
فوالله ما نظر إلي واحد منهما، فسمعت عمي أبا ياسر يقول لأبي:أهو هو؟ قال:نعم
والله، قال:تعرفه بنعته وصفته؟ قال:نعم والله، قال:فماذا في نفسك منه؟
قال:عداوته والله ما بقيت.
قال ابن إسحاق:وحدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن
سعيد بن جبير وعكرمة، عن ابن عباس قال:لما أسلم عبد الله بن سلام وثعلبة بن
شعبة وأسد بن شعبة وأسيد بن عبيد، ومن أسلم من اليهود فآمنوا وصدقوا ورغبوا في الإسلام، قال
من كفر من اليهود:ما آمن بمحمد ولا اتبعه إلا شرارنا، ولو كانوا من خيارنا ما
تركوا دين آبائهم وذهبوا إلى غيره، فأنزل الله عز وجل في ذلك:(ليسوا سواء من
أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون، يؤمنون بالله
واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من
الصالحين.
((الوجه الأول)):
قوله تعالى في التوراة:((سأقيم لبني إسرائيل نبيا من إخوتهم
مثلك اجعل كلامي في فِيه ويقول لهم ما آمره به والذي لا يقبل قول ذلك النبي
الذي يتكلم(ص 52) باسمي أنا أنتقم منه ومن سبطه)) فهذا النص مما لا يمكن أحد
منهم جحده وإنكاره؛ ولكن لأهل الكتاب فيه أربعة طرق:
((أحدها)) حمله على المسيح وهذه طريقة النصارى. وأما اليهود
فلهم فيه ثلاثة طرق:
((أحدها)) أنه على حذف أداة الاستفهام، والتقدير:أءقيم لبني
إسرائيل نبيا من إخوتهم أي لا أفعل هذا، فهو استفهام إنكار حذفت منه أداة
الاستفهام.
((الثاني)) أنه خبر ووعد، ولكن المراد به شمويل النبي، فإنه من
بني إسرائيل، والبشارة إنما وقعت بنبي من إخوتهم، وإخوة القوم هم بنو أبيهم،
وهم بنوا إسرائيل.
((الثالث)) أنه نبي يبعثه الله في آخر الزمان، يقيم به ملك
اليهود ويعلو به شأنهم وهم ينتظرونه إلى الآن.
وقال المسلمون:البشارة صريحة في النبي صلى الله عليه وسلم
العربي الأمي محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه لا يحتمل غيره؛فإنها
إنما وقعت بنبي من إخوة بني إسرائيل لا من بني إسرائيل نفسهم، والمسيح من بني
إسرائيل، فلو كان المراد بها هو المسيح لقال:أقيم لهم نبيا من أنفسهم، كما قال
تعالى:
(لقد منّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم) وإخوة
بني إسرائيل هم بنوا إسماعيل، ولا يعقل في لغة أمة من الأمم أن بني إسرائيل هم
أخوة بني إسرائيل، كما أن إخوة زيد لا يدخل فيهم زيد نفسه.
وأيضا فإنه قال:((نبيا مثلك)) وهذا يدل على أنه صاحب شريعة عامة
مثل موسى، وهذا يبطل حمله على شمويل من هذا الوجه أيضا، ويبطل حمله على يوشع من
ثلاثة أوجه:
((أحدها)): أنه من بني إسرائيل لا من إخوتهم.
((الثاني)): أنه لم يكن مثل موسى الثاني، وفي التوراة لا يقوم
في بني إسرائيل مثل موسى.
((الثالث)) أن يوشع نبي في زمن موسى، وهذا الوعد إنما هو بنبي
يقيمه الله بعد موسى.
وبهذه الوجوه الثلاثة يبطل حمله على هارون، مع أن هارون توفي
قبل موسى، ونبأه الله مع موسى في حياته.
ويبطل ذلك من وجه ((رابع)) أيضا وهو أن في هذه البشارة أنه ينزل
عليه كتابا يظهر للناس من فيه، وهذا لم يكن لأحد بعد موسى غير النبي صلى الله
عليه وسلم، وهذا من علامات نبوته التي أخبرت بها الأنبياء المتقدمون، قال
تعالى:
(وإنه لتنـزيل رب العالمين، نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون
من المنذرين، بلسان عربي مبين، وإنه لفي زبر الأولين، أو لم يكن لهم آية أن
يعلمه علماء بني إسرائيل).
فالقرآن نزل على قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم وظهر للأمة
من فِيه، ولا يصح حمل هذه البشارة على المسيح باتفاق النصارى لأنها إنما جاءت
بواحد من إخوة بني إسرائيل، وبنو إسرائيل وإخوتهم كلهم عبيد ليس فيهم إله،
والمسيح عندهم إله معبود، وهو أجل عندهم من أن يكون من إخوة العبيد، والبشارة
وقعت بعبد مخلوق يقيمه الله من جملة عبيده وأخوتهم، وغايته أن يكون نبيا لا
غاية له فوقها، وهذا ليس هو المسيح عند النصارى.
وأما قول المحرفين لكلام الله:أن ذلك على حذف ألف
الاستفهام وهو استفهام إنكار، والمعنى:لا أقيم لبني إسرائيل نبيا.
فتلك عادة لهم معروفة في تحريف كلام الله عن مواضعه، والكذب على
الله، وقولهم لما يبدلونه ويحرفونه هذا من عند الله، وحمل هذا الكلام على
الاستفهام والإنكار غاية ما يكون من التحريف والتبديل، وهذا التحريف والتبديل
من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم التي أخبر بها عن الله من تحريفهم
وتبديلهم، فأظهر الله صدقه في ذلك لكل ذي لب وعقل، فازداد إيمانا إلى إيمانه،
وازداد الكافرون رجسا إلى رجسهم.
((الوجه الثاني)):
قال في التوراة في السفر الخامس:((أقبل الله من سيناء، وتجلى من
ساعير، وظهر من جبال فاران، ومعه ربوات الإظهار عن يمينه)) وهذه متضمنة للنبوات
الثلاثة:نبوة موسى، ونبوة عيسى، ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم، فمجيئه من
((سينا)):وهو الجبل الذي كلم الله عليه موسى، ونبأه عليه إخبار عن نبوته،
وتجليه من ساعير هو مظهر المسيح من بيت المقدس، و((ساعير)):قرية معروفة هناك
إلى اليوم، وهذه بشارة بنبوة المسيح.
((وفاران)):هي مكة، وشبه سبحانه نبوة موسى بمجيء الصبح، ونبوة
المسيح بعدها بإشراقه وضيائه ونبوة خاتم الأنبياء باستعلات الشمس، وظهور ضوءها
في الآفاق، ووقع الأمر كما أخبر به سواء.
فإن الله سبحانه صدع بنبوة موسى ليل الكفر فأضاء فجره بنبوته،
وزاد الضياء والإشراق بنبوة المسيح، وكمل الضياء واستعلن وطبق الأرض بنبوة محمد
صلوات الله وسلامه عليهم، وذكر هذه النبوات الثلاثة التي اشتملت عليها هذه
البشارة نظير ذكرها في أول سورة (التين والزيتون، وطور سينين، وهذا البلد
الأمين).
فذكر أمكنة هؤلاء الأنبياء وأرضهم التي خرجوا منها (والتين
والزيتون)والمراد بهما:منبتها، وأرضهما وهي الأرض المقدسة التي هي مظهر المسيح،
(وطور سينين)الجبل الذي كلم الله عليه موسى، فهو مظهر نبوته، (وهذا البلد
الأمين) مكة حرم الله وأمنه التي هي مظهر نبوة محمد صلوات الله وسلامه عليهم.
فهذه الثلاثة نظير تلك الثلاثة، سواء قالت اليهود:((فاران)):هي
أرض الشاموليست أرض الحجاز، وليس هذا ببدع من بهتهم وتحريفهم، وعندهم في
التوراة:أن إسماعيل لما فارق أباه سكن في برية فاران.
هكذا نطقت التوراة، ولفظها:((وأقام إسماعيل في برية فاران،
وأنكحته أمه امرأة من جرهم)) ولا يشك علماء أهل الكتاب أن فاران مسكن لآل
إسماعيل، فقد تضمنت التوراة نبوة تنزل بأرض فاران، وتضمنت نبوة تنزل على عظيم
من ولد إسماعيل، وتضمنت انتشار أمته وأتباعه حتى يملؤا السهل والجبل كما
سنذكره إن شاء الله تعالى، ولم يبق بعد هذا شبهة أصلا إن هذه هي نبوة محمد صلى
الله عليه وسلم التي نزلت بفاران، على أشرف ولد إسماعيل حتى ملأت الأرض ضياء
ونورا وملأ أتباعه السهل والجبل، ولا يكثر على الشعب الذي نطقت التوراة بأنهم
عادموا الرأي والفطانة ينقسموا إلى جاهل بذلك، وجاحد مكابر معاند، ولفظ التوراة
فيهم:
((إنهم لشعب عادم الرأي، وليس فيهم فطانة)) ويقال لهؤلاء
المكابرين:أي نبوة خرجت من الشام فاستعلت استعلاء ضياء الشمس، وظهرت فوق ظهور
النبوتين قبلها؟ !وهل هذا إلا بمنزلة مكابرة من يرى الشمس قد طلعت من الشرق
فيغالط ويكابر، ويقول بل طلعت من المغرب!!.
((الوجه الثالث)):
قال في التوراة في السفر الأول:((إن الملك ظهر لهاجر أم
إسماعيل، فقال:يا هاجر من أين أقبلت والى أين تريدين؟ فلما شرحت له الحال
قال:ارجعي فأني سأكثر ذريتك وزرعك حتى لا يحصون كثرة، وها أنت تحبلين وتلدين
ابنا أسميه إسماعيل لأن الله قد سمع تذللك وخضوعك، وولدك يكون وحش للناس، وتكون
يده على الكل، ويد الكل مبسوطة إليه بالخضوع)).
وهذه بشارة تضمنت أن يد ابنها على يد كل الخلائق، وأن كلمته
العليا، وأن أيدي الخلق تحت يده، فمن هذا الذي ينطبق عليه هذا الوصف سوى محمد
بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه؟ !.
وكذلك في السفر الأول من التوراة:أن الله قال:((لإبراهيم إني
جاعل ابنك إسماعيل لأمة عظيمة إذ هو من زرعك)) وهذه بشارة بمن جعل من ولده لأمة
عظيمة، وليس هو سوى محمد بن عبد الله الذي هو من صميم ولده، فإنه جعل لأمة
عظيمة، ومن تدبر هذه البشارة جزم بأن المراد بها رسول الله صلى الله عليه وسلم،
لأن إسماعيل لم تكن يده فوق يد إسحاق قط، وكانت يد إسحاق مبسوطة إليه بالخضوع.
وكيف يكون ذلك وقد كانت النبوة والملك في إسرائيل والعيص وعما
ابنا إسحاق فلما، بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانتقلت النبوة إلى ولد
إسماعيل ودانت له الأمم وخضعت له الملوك، وجعل خلافة الملك إلى أهل بيته إلى
آخر الدهر، وصارت أيديهم فوق أيدي الجميع مبسوطة إليهم بالخضوع.
وكذلك في التوراة في السفر الأول:((إن الله تعالى قال لإبراهيم
إن في هذا العام يولد لك ولد اسمه إسحاق، فقال إبراهيم:ليت إسماعيل هذا يحي بين
يديك يمجدك، فقال الله تعالى:قد استجبت لك في إسماعيل وإني أباركه وأيمنه
وأعظمه جدا جدا بما قد استجبت فيه، وإني أصيره إلى أمة كثرة وأعطيه شعبا
جليلا))
والمراد بهذا كله الخارج من نسله، فإنه هو الذي عظمه
الله جدا جدا وصيره إلى أمة كثيرة، وأعطاه شعبا جليلا، ولم يأت من صلب إسماعيل
من بورك وعظم وانطبقت عليه هذه العلامات غير رسول الله صلى الله عليه وسلم،
فأمته ملؤا الآفاق وأربوا في الكثرة على نسل إسحاق.
((الوجه الرابع)):
قال في التوراة في السفر الخامس:((قال موسى لبني إسرائيل:لا
تطيعوا العرافين ولا المنجمين، فسيقيم لكم الرب نبيا من إخوتكم مثلي، فأطيعوا
ذلك النبي)) ولا يجوز أن يكون هذا النبي الموعود به من أنفس بني إسرائيل لما
تقدم أن أخوة القوم ليسوا أنفسهم، كما يقول:بكر وتغلب ابنا وائل، ثم يقول:تغلب
أخوة بكر وبنو بكر أخوة بني تغلب، فلو قلت:أخوة بني بكر بنو بكر كان محالا، ولو
قلت:لرجل أتيني برجل من أخوة بني بكر بن وائل، لكان الواجب أن يأتيك برجل من
بني تغلب ابن وائل لا بواحد من بني بكر.
((الوجه الخامس)):
ما في الإنجيل:((إن المسيح قال للحواريين:إني ذاهب وسيأتيكم
الفارقليط روح الحق، لا يتكلم من قبل نفسه، إنما هو كما يقال له، وهو يشهد علي
وأنتم تشهدون لأنكم معي من قبل الناس، وكل شيء أعده الله لكم يخبركم به))
وفي إنجيل يوحنا:((الفارقليط لا يجيئكم ما لم أذهب، وإذا جاء
وبخ العالم على الخطيئة، ولا يقول من تلقاء نفسه ولكنه مما يسمع به، ويكلمكم
ويسوسكم بالحق، ويخبركم بالحوادث والغيوب)).
وفي موضع آخر ((أن الفارقليط روح الحق الذي يرسله أبي باسمي، هو
يعلمكم كل شيء)).
وفي موضع آخر ((إني سائل له أن يبعث إليكم فارقليطا آخر يكون
معكم إلى الأبد وهو يعلمكم كل شيء)).
وفي موضع آخر ((ابن البشر ذاهب والفارقليط من بعده يحبي لكم
بالأسرار ويفسر لكم كل شيء، وهو يشهد لي كما شهدت له، فإني أجيئكم بالأمثال وهو
يأتيكم بالتأويل)).
قال أبو محمد بن قتيبية:وهذه الأشياء على اختلافها متقاربة،
وإنما اختلفت لأن من نقلها عن المسيح صلى الله عليه وسلم في الإنجيل من
الحواريين عدة، ((والفارقليط)):بلغتهم لفظ من ألفاظ الحمد، أما أحمد، أو محمد،
أو محمود، أو حامد، أو نحو ذلك، وهو في الإنجيل الحبشي ((ابن نعطيس)).
وفي موضع آخر ((إن كنتم تحبوني فاحفظوا وصاياي، وأنا أطلب من
الأب أن يعطيكم فارقليطا آخر يثبت معكم إلى الأبد، ويتكلم بروح الحق الذي لم
يطق العالم أن يقبلوه لأنهم لم يعرفوه، ولست أدعكم أيتاما إني سآتيكم عن
قريب)).
وفي موضع آخر ((ومن يحبني يحفظ كلمتي وأبي يحبه وإليه يأتي
وعنده يتحد المنزل، كلمتكم بهذا لأني لست عندكم مقيما، والفارقليط روح الحق
الذي يرسله أبي هو يعلمكم كل شيء، وهو يذكركم كلما قلت لكم، استودعتكم
سلامي لا تقلق قلوبكم ولا تجزع، فإني منطلق وعائد إليكم، لو كنتم تحبوني كنتم
تفرحون بمعنى الأب فإن ثبت كلامي فيكم كان لكم كلما تريدون)).
وفي موضع آخر ((إذا جاء الفراقليط الذي أبي أرسله روح الحق الذي
من أبي يشهد لي، قلت لكم حتى إذا كان تؤمنوا ولا تشكوا فيه)).
وفي موضع آخر ((إن لي كلاما كثيرا أريد أن أقوله لكم ولكنكم لا
تستطيعون حمله لكن إذا جاء روح الحق ذاك يرشدكم إلى جميع الحق، لأنه ليس ينطق
من عنده بل يتكلم بما يسمع، ويخبركم بكل ما يأتي، ويعرفكم جميع ما للأب)).
وقال يوحنا:قال المسيح:((إن أركون العالم سيأتي وليس لي شيء)).
وقال متى:قال المسيح:((ألم تروا أن الحجر الذي أخره البنّاؤن
صار أسا للزاوية من عند الله، كان هذا وهو عجيب في أعيننا، ومن أجل ذلك أقول
لكم إن ملكوت الله سيأخذ منكم ويدفع إلى أمة أخرى، تأكل ثمرتها، ومن سقط على
هذا الحجر ينشدخ، وكل من سقط هو عليه يمحقه)).
وقد اختلف في ((الفارقليط)) في لغتهم فذكروا فيه أقوالا ترجع
إلى ثلاث:
((أحدهما)):
إنه الحامد والحماد أو الحمد كما تقدم، ورجحت طائفة هذا القول،
وقال الذي يقوم عليه البرهان في لغتهم:أنه الحمد، والدليل عليه قول يوشع:((من
عمل حسنة يكون له فارقليط جيد)) أي حمد جيد.
((والقول الثاني))
وعليه أكثر النصارى أنه المخلص والمسيح نفسه يسمونه المخلص،
قالوا:وهذه كلمة سريانية ومعناها المخلص، قالوا:وهو بالسريانية فاروق، فجعل
((فارق)) قالوا:و((ليط)) كلمة تزاد، ومعناها:كمعنى قول العرب: رجل هو، وحجر هو،
وفرس هو.
قالوا:فكذلك معنى ((ليط)) في السريانية.
وقالت طائفة أخرى من النصارى:معناه بالسريانية المعزّى
قالوا:وكذلك هو في اللسان اليوناني.
ويعترض على هذين القولين بأن المسيح لم يكن لغته سريانية، ولا
يونانية، بل عبرانية، وأجيب عن هذا بأنه يتكلم بالعبرانية والإنجيل إنما نزل
باللغة العبرانية، وترجم عنه بلغة السريانية، والرومية، واليونانية، وغيرهما،
وأكثر النصارى على أنه المخلص، والمسيح نفسه يسمونه المخلص، وفي الإنجيل الذي
بأيديهم أنه قال:((إنما أتيت لأخلص العالم)).
والنصارى يقولون في صلاتهم:لقد ولدت لنا مخلصا ولما لم يمكن
النصارى إنكار هذه النصوص حرفوها أنواعا من التحريف، فمنهم من قال:هو روح نزلت
على الحواريين.
ومنهم من قال:هو ألسن نارية نزلت من السماء على التلاميذ ففعلوا
بها الآيات والعجائب.
ومنهم من يزعم:أنه المسيح نفسه لكونه جاء بعد الصلب بأربعين
يوما وكونه قام من قبره.
ومنهم من قال: لا يعرف ما المراد بهذا الفارقليط، ولا
يتحقق لنا معناه.
ومن تأمل ألفاظ الإنجيل وسياقها، علم أن تفسيره بالروح باطل،
وأبطل منه تفسيره بالألسن النارية، وأبطل منهما تفسيره بالمسيح، فإن روح القدس
ما زالت تنزل على الأنبياء والصالحين قبل المسيح وبعده، وليست موصوفة بهذه
الصفات، وقد قال تعالى:(لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد
الله ورسوله، ولو كانو آباءهم، أو أبناءهم، أو إخوانهم، أو عشيرتهم، أولئك كتب
في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه).
وقال النبي صلى الله عليه وسلم لحسان ابن ثابت لما كان يهجو
المشركين:((اللهم أيده بروح القدس)) وقال:((إن روح القدس معك ما زلت تنافح عن
نبيه)).
وإذا كان كذلك ولم يسم أحد هذه الروح فارقليطا علم أن الفارقليط
أمر غير هذا.
((وأيضا)) فمثل هذه الروح لا زالت يؤيد بها الأنبياء والصالحون
وما بشر به المسيح، ووعد به أمر عظيم يأتي بعده أعظم من هذا، ((وأيضا)) فإنه
وصف الفارقليط بصفات لا تناسب هذا الروح وإنما تناسب رجلا يأتي بعده نظيرا له،
فإنه قال:((إن كنتم تحبوني فاحفظوا وصاياي وأنا أطلب من الأب أن يعطيكم
فارقليطا آخر يثبت معكم إلى الأبد)).
فقوله ((فارقليطا آخر)) دل على أنه ثان لأول كان قبله، وأنه لم
يكن معهم في حياة المسيح وإنما يكون بعد ذهابه، وتوليه عنهم، ((وأيضا)) فإنه
قال:((يثبت معكم إلى الأبد)) وهذا إنما يكون لما يدوم ويبقى معهم إلى آخر
الدهر، ومعلوم أنه لم يرد بقاء ذاته فعلم أنه بقاء شرعه وأمره.
والفارقليط الأول لم يثبت معهم شرعه ودينه إلى الأبد، وهذا يبين
أن الثاني صاحب شرع لا ينسخ بل يبقى إلى الأبد بخلاف الأول، وهذا إنما ينطبق
على محمد صلى الله عليه وسلم.
((وأيضا)) فإنه أخبر أن هذا الفارقليط الذي أخبر به يشهد له
ويعلمهم كل شيء، وأنه يذكر لهم كل ما قال المسيح، وأنه يوبخ العالم على خطيئته،
فقال:
((والفارقليط الذي يرسلهأبي هو يعلمكم كل شيء، وهو يذكركم كلما
قلت لكم، وقال إذا جاء الفارقليط الذي أبي أرسله هو يشهد أني قلت لكم هذا حتى
إذا كان تؤمنوا به، ولا تشكوا فيه، وقال إن خيرا لكم إن انطلق إلى أبي، إن لم
أذهب لم يأتكم الفارقليط، فإن، انطلقت أرسلته إليكم فهو يوبخ العالم على
الخطيئة فإن لي كلاما كثيرا أريد أن أقول لكم، ولكنكم لا تستطيعون حمله لكن إذا
جاء روح الحق ذاك الذي يرشدكم إلى جميع الحق، لأنه ليس ينطق من عند نفسه بل
يتكلم بما يسمع ويخبركم بكل ما يأتي، ويعرفكم جميع ما للأب)).
فهذه الصفات والنعوت التي تلقوها عن المسيح لا تنطبق على أمر
معنوي في قلب بعض الناس لا يراه أحد ولا يسمع كلامه، وإنما تنطبق على من يراه
الناس ويسمعون كلامه، فيشهد للمسيح ويعلمهم كل شيء، ويذكرهم كلما قال
لهم المسيح.
ويوبخ العالم على الخطيئة، ويرشد الناس إلى جميع الحق، ولا ينطق
من عنده بل يتكلم بما يسمع، ويخبرهم بكل ما يأتي، ويعرفهم جميع ما لرب
العالمين، وهذا لا يكون ملكا لا يراه أحد، ولا يكون هدى وعلما في قلب بعض
الناس، ولا يكون إلا إنسانا عظيم القدر يخاطب بما أخبر به المسيح.
وهذا لا يكون إلا بشرا رسولا، بل يكون أعظم من المسيح، فإن
المسيح أخبر أنه يقدر على ما لا بقدر عليه المسيح، ويعلم ما لا يعلمه المسيح،
ويخبر بكل ما يأتي وبما يستحقه الرب حيث قال:
((إن لي كلاما كثيرا أريد أن أقوله، ولكنكم لا تستطيعون حمله،
ولكن إذا جاء روح الحق ذاك الذي يرشدكم إلى جميع الحق، لأنه ليس ينطق من عنده
بل يتكلم بما يسمع ويخبركم بكل ما يأتي، ويعرفكم جميع ما للأب)).
فلا يستريب عاقل أن هذه الصفات لا تنطبق إلا على محمد صلى الله
عليه وسلم، وذلك لأن الأخبار عن الله بما هو متصف به من الصفات، وعن ملائكته،
وعن ملكوته، وعما أعده في الجنة لأوليائه، وفي النار لأعدائه، أمر لا تحتمل
عقول أكثر الناس معرفته على التفصيل.
قال علي رضي الله عنه: حدثوا الناس بما يعرفون، ودعوا ما
ينكرون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله.
وقال ابن مسعود: ما من رجل يحدث قوما بحديث لا تبلغه عقولهم إلا
كان فتنة لبعضهم.
وسأل رجل ابن عباس عن قوله تعالى: (الذي خلق سبع سموات ومن
الأرض مثلهن يتنـزل الأمر بينهن) قال: ما يؤمنك أن لو أخبرتك بها لكفرت.
يعني: لو أخبرتك بتفسيرها لكفرت بها، وكفرك بها تكذيب بها، فقال
لهم المسيح: ((إن لي كلاما كثيرا أريد أن أقوله لكم ولكنكم لا تستطيعون حمله))
وهو الصادق المصدوق وفي هذا، ولهذا ليس في الإنجيل من صفات الله تعالى، وصفات
ملكوته، وصفات اليوم الآخر، إلا أمور مجملة.وكذلك التوراة ليس فيها من ذكر
اليوم الآخر إلا أمور مجملة، مع أن موسى صلى الله عليه وسلم كان قد سهل الأمر
للمسيح، ومع هذا فقد قال لهم المسيح: ((إن لي كلاما كثيرا أريد أن أقوله لكم
ولكنكم لا تستطيعون حمله))، ثم قال: ((ولكن إذا جاء روح الحق فذاك الذي يرشدكم
إلى جميع الحق، وأنه يخبركم بكل ما يأتي، وبجميع ما للرب)).
فدل هذا على أن ((الفارقليط)) هو الذي بفعل هذا دون المسيح،
وكذلك كان، فإن محمدا صلى الله عليه وسلم أرشد الناس إلى جميع الحق حتى أكمل
الله به الدين وأتم به النعمة، ولهذا كان خاتم الأنبياء فإنه لم يبق نبي يأتي
بعده غيره.
وأخبر محمدا صلى الله عليه وسلم بكل ما يأتي من أشراط الساعة،
والقيامة، والحساب، والصراط، ووزن الأعمال، والجنة وأنواع نعيمها، والنار
وأنواع عذابها، ولهذا كان في القرآن تفصيل أمر الآخرة وذكر الجنة والنار
وما يأتي أمور كثيرة لا توجد لا في التوراة ولا في الإنجيل وذلك تصديق قول
المسيح أنه يخبر بكل ما يأتي، وذلك يتضمن صدق المسيح وصدق محمد صلى الله عليه
وسلم، وهذا معنى قوله تعالى: (أنهم إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون
ويقولون أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون بل جاء بالحق وصدق المرسلين).
أي: مجيئه تصديق للرسل قبله، فإنهم أخبروا بمجيئه فجاء كما
أخبروا به، فتضمن مجيئه تصديقهم، ثم شهد هو بصدقهم فصدقهم بقوله ومجيئه، ومحمد
صلى الله عليه وسلم بعثه الله بين يدي الساعة، كما قال: ((بعثت أنا والساعة
كهاتين، وأشار بإصبعيه السبابة والوسطى)).
وكان إذا ذكر الساعة؛ علا صوته، واحمر وجهه، واشتد غضبه، وقال:
((أنا النذير العريان)).
فأخبر من الأمور التي تأتي في لمستقبل بما لم يأت به نبي من
الأنبياء، كما نعته به المسيح حيث قال: ((إنه يخبركم بكل ما يأتي)). ولا يوجد
مثل هذا أصلا عن أحد من الأنبياء قبل محمد صلى الله عليه وسلم، فضلا عن أن يوجد
عن شيء نزل عل قلب بعض الحواريين.
((وأيضا)) فإنه قال: ((ويعرفكم جميع ما للرب)) فبين أنه يعرف
الناس جميع ما لله، وذلك يتناول ما لله من الأسماء والصفات، وما له من الحقوق،
وما يجب من الإيمان به، وملائكته، وكتبه، ورسله، بحيث يكون يأتي به جامعا لما
يستحقه الرب وهذا لم يأت به غير محمد صلى الله عليه وسلم فإنه تضمن ما جاء به
من الكتاب والحكمة هذا كله.
((وأيضا)) فإن المسيح قال: ((إذا جاء الفارقليط الذي أرسله أبي،
فهو يشهد لي، قلت لكم هذا حتى إذا كان تؤمنوا به))، فأخبر أنه شهد له، وهذه صفة
نبي بشر به المسح ويشهد للمسيح، كما قال تعالى:
(وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم
مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد) وأخبر أنه
يوبخ العالم على الخطيئة، وهذا يستحيل على معنى يقوم بقلب الحواريين، فإنهم
آمنوا به، وشهدوا له قبل ذهابه، فكيف يقول: ((إذا جاء فإنه يشهد لي)) ويوصيهم
بالإيمان به، أفترى الحواريين لم يكونوا مؤمنين بالمسيح فهذا من أعظم جهل
النصارى وضلالهم؟ !.
((وأيضا)) فإنه لم يوجد أحد وبخ جميع العالم على الخطيئة إلا
محمد صلى الله عليه وسلم، فإنه أنذر جميع العالم من أصناف الناس، ووبخهم على
الخطيئة من الكفر والفسوق والعصيان، ولم يقتصر على مجرد النهي، بل وبخهم وفزعهم
وتهددهم.
((وأيضا)) فإنه أخبر أنه ليس ينطق من عنده، بل يتكلم بكل ما
يسمع.
وهذا إخبار بأن كلما يتكلم به فهو وحي يسمعه ليس هو شيئا تعلمه
من الناس، أو عرفه باستنباط، وهذه خاصة محمد صلى الله عليه وسلم.
وأما المسيح فكان علم بما جاء به موسى قبله ويشاركه به
أهل الكتاب تلقاه عمن قبله، ثم جاءه وحي خاص من الله فوق ما كان عنده قال
تعالى:
(ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل)، فأخبر سبحانه أنه
يعلمه التوارة التي تعلمها بنو إسرائيل، وزاده تعليم الإنجيل الذي اختص به،
والكتاب الذي هو الكتابة، ومحمد صلى الله عليه وسلم لم يكن يعلم قبل الوحي
شيئاً البتة، كما قال تعالى:
(وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا
الإيمان).
وقال تعالى: (نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا
القرآن وإن كنت من قبل لمن الغافلين) فلم يكن صلى الله عليه وسلم ينطق من تلقاء
نفسه، بل إنما كان ينطق بالوحي، كما قال تعالى:
(وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) أي: ما نطقه إلا وحي
يوحى وهذا مطابق لقول المسيح أنه لا يتكلم من تلقاء نفسه بل إنما يتكلم بما
يوحى إليه، والله تعالى أمره أن يبلغ ما أنزل إليه، وضمن له العصمة في تبليغ
رسالاته.
فلهذا أرشد الناس إلى جميع الحق، وألقى للناس ما لم يمكن غيره
من الأنبياء، ألقاه خوفا أن يقتله قومه، وقد أخبر المسيح بأنه لم يذكر لهم جميع
ما عنده، وأنهم لا يطيقون حمله، وهم معترفون بأنه كان يخاف منهم إذا أخبرهم
بحقائق الأمور، ومحمد صلى الله عليه وسلم أيده الله سبحانه تأييداً لم يؤيده
لغيره:
فعصمه من الناس حتى لم يخف من شيء يقوله، وأعطاه من البيان
والعلم ما لم يؤته غيره، وأيد أمته تأييدا أطاقت به حمل ما ألقاه إليهم، فلا
يكونوا كأهل التوراة الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها، ولا كأهل الإنجيل
الذين قال لهم المسيح: ((إن لي كلاما كثيرا أريد أن أقوله لكم، ولكن لا
تستطيعون حمله)).
ولا ريب أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم أكمل عقولاً، وأعظم
إيماناً، وأتم تصديقاً وجهاداً، ولهذا كانت علومهم وأعمالهم القلبية وإيمانهم
أعظم، وكانت العبادات البدنية لغيرهم أعظم.
((وأيضا)) فإنه أخبر عن الفارقليط أنه شهد له، وأنه يعلمهم كل
شيء، وأنه يذكرهم كلما قال المسيح، ومعلوم أن هذا لا يكون إلا إذا شهد له
بشهادة يسمعها الناس لا يكون هذا في قلب طائفة قليلة.
ولم يشهد أحد للمسيح شهادة سمعها عامة الناس إلا محمد صلى الله
عليه وسلم، فإنه أظهر أمر المسيح، وشهد له بالحق، حتى سمع شهادته له عامة أهل
الأرض، وعلموا أنه صدق المسيح، ونزهه عما افتراه عليه اليهود، وما غالت فيه
النصارى، فهو الذي شهد له بالحق، ولهذا لما سمع النجاشي من الصحابة ما شهد به
محمد صلى الله عليه وسلم للمسيح قال لهم:((بما زاد عيسى على ما قلتم هذا
العود)).
وجعل الله أمة محمد صلى الله وسلم (شهداء على الناس) شهدوا
عليهم بما علموا من الحق، إذ كانوا وسطاً عدولاً لا يشهدون بباطل، فإن الشاهد
لا يكون إلا عدلا، بخلاف من جار في شهادته، فزاد على الحق، أو نقص منه، كشهادة
اليهود للنصارى في المسيح.
((أيضا)) فإن معنى الفارقليط إن كان هو الحامد، أو الحماد، أو
المحمود، أو الحمد، فهذا الوصف ظاهر في محمد صلى الله عليه وسلم، فإنه وأمته
الحمادون الذين يحمدون الله على كل حال، وهو صاحب لواء الحمد، مفتاح خطبته
ومفتاح صلاته، ولما كان حمادا سمى بمثل وصفه، فهو محمد وزن مكرم ومعظم ومقدس،
وهو الذي يحمد أكثر مما يحمده غيره ويستحق ذلك، فلما كان حمادا لله كان محمدا،
وفي شعر حسان:
أغر عليه للنبوة خاتم * من الله ميمون يلوح
ويشهد
وضم الإله أسم النبي إلى اسمه * إذا قال في الخمس المؤذن أشهد
وشق له من اسمه ليجله * فذو العرش محمود وهذا محمد وأما ((أحمد)): فهو أفعل
التفضيل، أي: هو أحمد من غيره أي أحق بأن يكون محموداً أكثر من غيره، يقال: هذا
أحمد من هذا، أي: هذا أحق بأن يحمده من هذا، فيكون تفضيل على غيره في كونه
محمودا.
فلفظ ((محمد)) يقتضي زيادة في الكمية، ولفظ أحمد يقتضي زيادة في
الكيفية، ومن الناس من يقول: معناه أنه أكثر حمدا لله كان من غيره، وعلى هذا
فيكون بمعنى الحامد والحماد، وعلى الأول بمعنى المحمود.
وأن الفارقليط بمعنى: الحمد، فهو تسمية بالمصدر مبالغة في كثرة
الحمد، كما يقال: رجل عدل ورضي ونظائر ذلك، وبهذا يظهر سر ما أخبر به القرآن عن
المسيح من قوله: (ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد)، فإن هذا هو معنى
الفارقليط كما تقدم، وفي التوراة ما ترجمته بالعربية:
((وأما في إسماعيل فقد قبلت دعاك ها أنا قد باركت فيه وأثمره
وأكبره بمأذ بمأذ))، هكذا هذه ((مأذ)) اللفظة ماذ على وزن عمر، وقد اختلف فيها
علماء أهل الكتاب فطائفة يقولون معناها جداً جداً، أي:كثيراً كثيراً، فإن كان
هذا معناها فهو بشارة بمن عظم من بنيه كثيراً كثيراً، ومعلوم أنه لم يعظم من
بنيه أكثر مما عظم من محمد صلى الله عليه وسلم.
وقالت طائفة أخرى: بل هي صريح اسم محمد، قالوا: ويدل عليه أن
ألفاظ العبرانية قريبة من ألفاظ العربية، فهي أقرب اللغات إلى العربية.
فإنهم يقولون لإسماعيل: شماعيل، وسمعتك: شمعتيني، وإياه: أو ثو،
وقدسك: قدشيخا، وأنت: أنا، وإسرائيل: سيرائيل.
فتأمل قوله في التوراة ((قدس لي خل بخور خل ريخم بني سرائيل
باذام ويبياميل)) معناه: قدس لي كل بكر كل أول مولود رحم في بني إسرائيل من
إنسان إلى بهيمة لي.
وتأمل قوله: ((نابي أقيم لاهيم تقارب أخيهم كانوا أخا إيلاؤه
شماعون)) فإن معناه نبيا أقيم لهم من وسط إخوتهم مثلك به يؤمنون، وكذلك قوله
((أنتم عابر تم بعيولي أجيخيم بنوا عيصاه)) معناه: أنتم عابرون في تخم أخوتكم
بني العيص.
ونظائر ذلك أكثر من أن تذكر، فإذا أخذت لفظة ((مؤذ مؤذ)) وجدتها
أقرب شيء إلى لفظة محمد، وإذا أردت تحقيق ذلك فطابق بين ألفاظ العبرانية
والعربية، وكذلك يقولون: ((أصبوع أو لو هم هوم)) أي: أصبع الله كتب له بها
التوراة، ويدل على ذلك أداة الباء في قوله:((بمأذ مأذ)) ولا يقال أعظمه بجداً
جداً؛ بخلاف أعظمه بمحمد.
وكذلك فإنه هو عظم به وازداد به شرفا إلى شرفه؛ بل تعظيمه؛
بمحمد ابنه صلى الله عليه وسلم فوق تعظيم كل والد بولده العظيم القدر، فلله
سبحانه كبره بمحمد صلى الله عليه وسلم، وعلى التقديرين فالنص من أظهر البشارات
به، أما على هذا التفسير فظاهر جدا، وأما على التفسير الأول فإنما كبر إسماعيل
وعظم على إسحاق جداً جداً بابنه محمد صلى الله عليه وسلم.
فإذا طابقت بين معنى ((الفارقليط)) ومعنى ((موذ موذ)) ومعنى
((محمد، وأحمد)) ونظرت إلى خصال الحمد التي فيه، وتسمية أمته بالحمادين،
وافتتاح كتابه بالحمد، وافتتاح الصلاة بالحمد، وختم الركعة بالحمد، وكثرة خصال
الحمد التي فيه وفي أمته وفي دينه كتابه وعرفت ما خلص به العالم من أنواع الشرك
والكفر والخطايا والبدع والقول على الله بلا علم، وما أعز الله به الحق وأهله،
وقمع به الباطل وحزبه، تيقنت أنه الفارقليط بالاعتبارات كلها، فمن هذا الذي هو
روح الحق الذي لا يتكلم إلا بما يوحى إليه؟ !
ومن هو العاقب للمسيح، والشاهد لما جاء به، والمصدق له بمجيئه،
ومن الذي أخبرنا بالحوادث في الأزمنة المستقبلة، كخروج الدجال، وظهور الدابة،
وطلوع الشمس من مغربها، وخروج يأجوج ومأجوج، ونزول المسيح ابن مريم، وظهور
النار التي تحشر الناس، وأضعاف أضعاف ذلك منالغيوب التي قبل يوم القيامة،
والغيوب الواقعة من الصراط، والميزان، والحساب، وأخذ الكتب بالأيمان والشمايل.
وتفاصيل ما في الجنة والنار، ما لم يذكر في التوارة والإنجيل،
غير محمد صلى الله عليه وسلم؟ ! ومن الذي وبخ العالم على الخطايا سواه؟ !
ومن الذي عرف الأمة ما ينبغي لله حق التعريف غيره؟ !
ومن الذي تكلم في هذا الباب بما لم يطق أكثر العالم أن يقبلوه
غيره حتى عجزت عنه عقول كثير ممن صدقه وآمن به، فساموه أنواع التحريف والتأويل
لعجز عقولهم عن حمله، كما قال أخوه المسيح صلوات الله عليهما وسلامه؟ !
ومن الذي أرسل إلى جميع الخلق بالحق قولاً وعملاً واعتقادا في
معرفة الله، وأسمائه، وصفاته، وأحكامه، وأفعاله، وقضائه وقدره، غيره؟ !
ومن هو أركون العالم الذي أتى بعد المسيح غيره؟ !
((وأركون العالم)) هو عظيم العالم، وكبير العالم، وتأمل قول
المسيح في هذه البشارة التي لا ينكرونها، ((إن أركون العالم سيأتي وليس لي من
الأمر شيء)) كيف هي شاهدة بنبوة المسيح ونبوة محمد معا، فإنه لما جاء صار الأمر
له دون المسيح.
فوجب على العالم كلهم طاعته، والانقياد لأمره، وصار الأمر له
حقيقة. ولم يبق بأيدي النصارى إلا دين باطله أضعاف أضعاف حقه، وحقه
منسوخ بما بعث الله به محمد صلى الله عليه وسلم، فطابق قول المسيح قول أخيه
محمد صلى الله عليه وسلم: ((ينـزل فيكم ابن مريم حكما عدلا، وإماما مقسطا،
فيحكم بكتاب ربكم)) وقوله في اللفظ الآخر: ((بأتيكم بكتاب ربكم)) فطابق قول
الرسولين الكريمين، وبشر الأول بالثاني، وصدق الثاني بالأول.
وتأمل قوله في البشارة الأخرى: ((ألم ترى إلى الحجر الذي أخره
البناؤن صار أسا للزاوية)) كيف تجده مطابقا لقول النبي صلى الله عليه:((ومثل
الأنبياء قبلي كمثل رجل بنى دارا فأكملها وأتمها إلا موضع لبنة منها، فجعل
الناس يطوفون بها ويعجبون منها، ويقولون: هلا وضعت تلك اللبنة؟ !
فكنت أنا تلك اللبنة)) وتأمل قول المسيح في هذه البشارة: ((إن
ذلك عجيب في أعييننا))، وتأمل قوله فيها: ((إن ملكوت الله سيأخذ منكم، ويدفع
إلى أمة أخرى))، كيف تجده مطابقا لقوله تعالى (ولقد كتبنا في الزبور من بعد
الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون) وقوله:
(وعد الله الذين أمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في
الأرض كما استخلف الذين من قبلهم، وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وليبدلنهم
من بعد خوفهم أمنا، يعبدونني لا يشركون بي شيئاً ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم
الفاسقون).
وتأمل قوله في الفارقليط المبشر به: ((يفشى لكم الأسرار، ويفسر
لكم كل شيء، فإني أجيئكم بالأمثال وهو يأتيكم بالتأويل)) وكيف تجده مطابقا
للواقع من كل وجه ولقوله تعالى: (وأنزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء) ولقوله
تعالى: (ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة
لقوم يؤمنون).
وإذا تأملت التوراة والإنجيل والكتب، وتأملت القرآن وجدته
كالتفصيل لمجملها والتأويل لأمثالها والشرح لرموزها، وهذا حقيقة قول
المسيح:((أجيئكم بالأمثال ويجيئكم بالتأويل ويفسر لكم كل شيء)).
وإذا تأملت قوله:((وكل شيء عده الله لكم به)) وتفاصيل ما أخبر
به من الجنة والنار والثواب والعقاب تيقنت صدق المرسولين الكريمين، ومطابقة
الأخبار المفصلة من محمد صلى الله عليه وسلم للخبر المجمل من أخيه المسيح.
وتأمل قوله في الفارقليط ((وهو يشهد لي كما شهدت له)) كيف تجده
منطبقا على محمد بن عبد الله، وكيف تجده شاهدا بصدق الرسولين، وكيف تجده صريحا
في رجل يأتي بعد المسيح يشهد له بأنه عبد الله ورسوله كما شهد له المسيح؟ !
فلقد أذن المسيح بنبوة محمد صلوات الله وسلامه عليهما أذانا لم
يؤذنه نبي قبله، وأعلن بتكبير ربه أن يكون له صاحبة أو ولد، ثم رفع صوته بشهادة
أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلهاً واحداً أحداً فرداً صمداً لم يلد ولم
يولد ولم يكن له كفواً أحد،
ثم أعلن بشهادة أن محمدا عبده ورسوله الشاهد له بنبوته، المؤيد
بروح الحق، الذي لا يقول من تلقاء نفسه بل يتكلم بما يوحي إليه، ويعلمهم
كل شيء، ويخبرهم ما أعد الله لهم، ثم رفع صوته بحي على الفلاح باتباعه،
والإيمان به وتصديقه وأنه ليس له من الأمر معه شيء، وختم التأذين بأن ملكوت
الله سيؤخذ ممن كذبه ويدفع إلى اتباعه والمؤمنين به، فهلك من هلك عن بينة، وعاش
من عاش عن بينة، فاستجاب اتباع المسيح حقا لهذا التأذين، وأباه الكافرون
والجاحدون، فقال تعالى:
(إني متوفيك ورافعك إلى ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين
اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم فيه
تختلفون).
وهذه بشارة بأن المسلمين لا يزالون فوق النصارى إلى يوم
القيامة، فإن المسلمين هم أتباع المرسلين في الحقيقة، وأتباع جميع الأنبياء لا
أعداؤه، وأعداؤه النصارى الذين رضوا أن يكون إلها مصفوعاً مصلوباً مقتولاً، ولم
يرضوا أن يكون نبيا عبدا لله وجيها عنده مقربا لديه، فهؤلاء أعداؤه حقا
والمسلمون أتباعه حقا، والمقصود أن بشارة المسيح بالنبي صلى الله عليه وسلم فوق
كل بشارة، لما كان أقرب الأنبياء إليه، وأولاهم به، وليس بينه وبينه نبي.
السَّابِق
الفهرس
التّالي |