|
هِدَايَة الحَيَارَى
وقوع التحريف في التوراة وفيتهم على الأنبياء
وهذه
الطرق يسلكها من يساعدهم على أنهم لم يحرفوا ألفاظ التوراة والإنجيل، ولم
يبدلوا شيئا منها، فيسلكها بعض نظّار المسلمين معهم من غير تعرض إلى التبديل
والتحريف.
وطائفة
أخرى تزعم: أنهم بدلوا وحرفوا كثيراً من ألفاظ الكتابين، مع أن الغرض الحامل
لهم على ذلك دون الغرض الحامل لهم على تبديل البشارة برسول الله صلى الله عليه
وسلم بكثير، وإن البشارات لكثرتها لم يمكنهم إخفاؤها كلها، وتبديلها، ففضحهم ما
عجزوا عن كتمانه أو تبديله.
وكيف
ينكر من أمة اليهود قتلة الأنبياء الذين رموهم بالعظائم، أن يكتموا نعت رسول
الله صلى الله عليه وسلم وصفته، وقد جحدوا نبوة المسيح، ورموه وأمه بالعظائم،
ونعته والبشارة به موجود في كتبهم، ومع هذا أطبقوا على جحد نبوته، وإنكار بشارة
الأنبياء به، ولم يفعل بهم ما فعله بهم محمد صلى الله عليه وسلم من القتل،
والسبي، وغنيمة الأموال، وتخريب الديار وإجلائهم منها، فكيف لا تتواصى هذه
الأمة بكتمان نعته وصفته وتبدله من كتبها؟ ! وقد عاب الله سبحانه عليهم ذلك في
غير موضع من كتابه، ولعنهم عليه.
ومن
العجب أنهم والنصارى يقرّون أن التوراة كانت طول مملكة نبي إسرائيل عند الكاهن
الأكبر الهاروني وحده، واليهود تقرُّ أنّ السبعين كاهناً اجتمعوا على اتفاق من
جميعهم على تبديل ثلاثة عشر حرفاً من التوراة، وذلك بعد المسيح في عهد
القياصرة، الذين كانوا تحت قهرهم حيث زال الملك عنهم، ولم يبق لهم ملك يخافونه،
ويأخذ على أيديهم.
ومن
رضي بتبديل موضع واحد من كتاب الله فلا يؤمن منه تحريف غيره، واليهود تقرّ
أيضاً أن السامرة حرّفوا مواضع من التوراة، وبدلوها تبديلاً ظاهراً، وزادوا،
ونقصوا، والسامرة تدعي ذلك عليهم.
وأما
((الإنجيل)) فقد تقدّم أن الذي بأيدي النصارى منه أربع كتب مختلفة من تأليف
أربعة رجال: يوحنّا، ومتىّ، ومرقس، ولوقا، فكيف ينكر تطرق التبديل
والتحريف إليها؛ وعلى ما فيها من ذلك، فقد صرفهم الله عن تبديل ما ذكرنا من
البشارات بمحمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم وإزالته، وإن قدروا على كتمانه
عن أتباعهم وجهّالهم.
وفي
((التوراة)) التي بأيديهم من التحريف والتبديل، وما لا يجوز نسبته إلى الأنبياء
ما لا يشك فيه ذو بصيرة، والتوراة التي أنزلها الله على موسى بريئة من ذلك.
ففيها:
عن لوط رسول الله أنه خرج من المدينة، وسكن في كهف الجبل، ومعه ابنتاه، فقالت
الصغرى للكبرى: قد شاخ أبونا فارقدي بنا معه لنأخذ منه نسلاً فرقدت معه الكبرى
ثم الصغرى.
ثم
فعلتا ذلك في الليلة الثانية، وحملتا منه بولدين: مواب وعمون، فهل يحسن أن يكون
نبي رسول كريم على الله يوقعه الله سبحانه في مثل هذه الفاحشة العظيمة في آخر
عمره، ثم يذيعها عنه، ويحكيها للأمم؟ !
وفيها:
((أن الله تجلى لموسى في طور سيناء، وقال له بعد كلام كثير: أدخل يدك في حجرك،
وأخرجها مبروصة كالثلج)) وهذا من النمط الأول.
والله
سبحانه لم يتجل لموسى، وإنما أمره أن يدخل يده في جيبه، وأخبره أنها تخرج بيضاء
من غير سوء، أي من غير برص.
وفيها:
أن هارون هو الذي صاغ لهم العجل، وهذا إن لم يكن من زياداتهم، وافترائهم،
فهارون، اسم السامري الذي صاغه ليس هو بهرون أخي موسى.
وفيها:
أن الله قال لإبراهيم:((اذبح ابنك بكرك إسحاق)) وهذا من بهتهم وزيادتهم في كلام
الله، فقد جمعوا بين النقيضين؛ فإن بكره: هو إسماعيل، فإنه بكر أولاده، وإسحاق
إنما بشر به على الكبر بعد قصة الذبح.
وفيها:
((ورأى الله أن قد كثر فساد الآدميين في الأرض، فندم على خلقهم، وقال: سأذهب
الآدمي الذي خلقت على الأرض، و الخشاش، وطيور السماء، لأني نادم على خلقها
جداً)) تعالى الله عن إفك المفترين، وعما يقول الظالمون علواً كبيراً.
وفيها:((أن الله سبحانه وتعالى علواً كبيراً تصارع مع يعقوب، فضرب به يعقوب
الأرض)).
وفيها:
((أن يهوذا بن يعقوب النبي زوّج ولده الأكبر من امرأة، يقال لها: تامار، فكانت
يأتيها مستدبراً فغضب الله من فعله، فأماته فزوج يهوذا ولده الآخر بها، فكان
إذا دخل بها أمنى على الأرض، علماً بأنه إن أولدها كان أول الأولاد مدعواً باسم
أخيه، ومنسوبا إلى أخيه، فكره الله ذلك من فعله، فأماته فأمرها يهوذا باللحاق
ببيت أبيها إلى أن يكبر ولده شيلا، ويتم عقله.
ثم
ماتت زوجته يهوذا، وذهب إلى منزله ليجز غنمه، فلما أخبرت تامار لبست زي
الزواني، وجلست على طريقه، فلما مر بها خالها زانية فراودها فطالبته بالأجرة،
فوعدها بجدي، ورمى عندها عصاه وخاتمه، فدخل بها فعلقت منه بولد، ومن هذا الولد
كان داود النبي)).
فقد
جعلوه ولد زنا كما جعلوا المسيح ولد زنا، ولم يكفهم ذلك حتى نسبوا ذلك
إلى التوراة، وكما جعلوا ولدي لوط ولدي زنا، ثم نسبوا داود وغيره من أنبيائهم
إلى ذينك الولدين.
وأما
فريتهم على الله ورسله وأنبيائه، ورميهم لرب العالمين ورسله بالعظائم، فكثير
جداً، كقولهم: إن الله استراح في اليوم السابع من خلق السموات والأرض، فأنزل
الله عز وجل على رسوله تكذيبهم، بقوله:(ولقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما
في ستة أيام، وما مسنا من لغوب).
وقولهم:(إن الله فقير ونحن أغنياء).
وقولهم: (يد الله مغلولة غلت أيديهم، ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان).
وقولهم: (إن الله عهد إلينا أن لا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار).
وقولهم: (لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة).
وقولهم: ((إن الله تعالى بكي على الطوفان حتى رمدت عيناه، وعادته الملائكة)).
وقولهم
الذي حكيناه آنفا: ((أن الله ندم على خلق بني آدم)) وأدخلوا هذه الفرية في
التوراة.
وقولهم: عن لوط أنه وطئ ابنتيه، وأولدهما ولدين نسبوا إليهما جماعة من
الأنبياء.
وقولهم
في بعض دعاء صلواتهم: انتبه كم تنام يا رب استيقظ من رقدتك.
فتجرؤا
على رب العالمين بهذه المناجاة القبيحة، كأنهم ينخونه بذلك لينتخي لهم ويحتمي،
كأنهم يخبرونه أنه قد اختار الخمول لنفسه وأحبابه، فيهزونه بهذا الخطاب للنباهة
واشتهار الصيت، قال بعض أكابرهم بعد إسلامه: فترى أحدهم إذا تلا هذه الكلمات في
الصلاة يقشعر جلده، ولا يشك أن كلامه يقع عند الله بموقع عظيم، وأنه يؤثر في
ربه، ويحركه، ويهزه، وينخيه.
وعندهم
في توراتهم: ((أن موسى صعد الجبل مع مشايخ أمته، فأبصروا الله جهرة، وتحت رجليه
كرسي منظره كمنظر البلور)).
وهذا
من كذبهم وافترائهم على الله، وعلى التوراة، وعندهم في توراتهم:((أن الله
سبحانه لما رأى فساد قوم نوح، وأن شرهم قد عظم، ندم على خلق البشر في الأرض وشق
عليه)).
وعندهم
في توراتهم أيضاً:((أن الله ندم على تمليكه شاؤل على إسرائيل)).
وعندهم
فيها:((أن نوحاً لما خرج من السفينة بنى بيتاً مذبحاً، وقرب عليه قرابين،
واستنشق الله رائحة القتار، فقال في ذاته: لن أعاود لعنة الأرض بسبب الناس، لأن
خاطر البشر مطبوع على الرداءة، ولن أهلك جميع الحيوان كما صنعت)).
سبب تبديل التوراة
قال
بعض علمائهم الراسخين في العلم ممن هداه الله إلى الإسلام: لسنا نرى إن هذه
الكفريات كانت في التوراة المنزلة على موسى، ولا نقول أيضا أن اليهود قصدوا
تغييرها وإفسادها؛ بل الحق أولى ما اتبع، قال: ونحن نذكر حقيقة سبب تبديل
التوراة.
فإن
علماء القوم وأحبارهم يعلمون أن هذه التوراة التي بأيديهم لا يعتقد أحد من
علمائهم وأحبارهم أنها عين التوراة المنزلة على موسى بن عمران البتة، لأن موسى صان التوراة عن بني إسرائيل، ولم يبثها فيهم خوفا من اختلافهم من بعده
في تأويل التوراة المؤدي إلى انقسامهم أحزابا، وإنما سلمها إلى عشيرته أولاد
لاوي، قال: ودليل ذلك قول التوراة ما هذه ترجمته:
((وكتب
موسى هذه التوراة ودفعها إلى أئمة بني لاوي، وكان بنو هارون قضاة اليهود
وحكامهم، لأن الإمامة وخدمة القرابين والبيت المقدس كانت فيهم، ولم يبد موسى
لبني إسرائيل من التوراة إلا نصف سورة)).
وقال
الله لموسى عن هذه السورة:((وتكون لي هذه السورة شاهدة على بني إسرائيل ولا
تنسى هذه السورة من أفواه أولادهم)).
وأما
بقية التوراة فدفعها إلى أولاد هارون وجعلها فيهم وصانها عمن سواهم، فالأئمة
الهارونيون هم الذين كانوا يعرفون التوراة ويحفظون أكثرها فقتلهم بختنصر على دم
واحد، وأحرق هيكلهم يوم استولى على بيت المقدس.
ولم
تكن التوراة محفوظة على ألسنتهم، بل كان كل واحد من الهارونيين يحفظ فصلا من
التوراة فلما رأى عزير أن القوم قد أحرق هيكلهم، وزالت دولتهم، وتفرق جمعهم،
ورفع كتابهم، جمع من محفوظاته.
ومن
الفصول التي يحفظها الكهنة ما لفق منه هذه التوراة التي بأيديهم، ولذلك بالغوا
في تعظيم عزير غاية المبالغة، وقالوا فيه ما حكاه الله عنهم في كتابه، وزعموا
أن النور على الأرض إلى الآن يظهر على قبره عند بطائح العراق، لأنه عمل لهم
كتابا يحفظ دينهم.
فهذه
التوراة التي بأيديهم على الحقيقة كتاب عزير وإن كان فيها أو أكثرها من التوراة
التي أنزلها الله على موسى.
قال:
وهذا يدل على أن الذي جمع هذه الفصول التي بأيديهم رجل جاهل بصفات الرب تعالى،
وما ينبغي له وما لا يجوز عليه، فلذلك نسب إلى الرب تعالى ما يتقدس ويتنزه عنه،
وهذا الرجل يعرف عند اليهود والنصارى: بعازر الوراق، ويظن بعض الناس أنه (الذي
مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال: أنى يحي هذه الله بعد موتها فأماته الله
مائة عام ثم بعثه) ويقول:
أنه
نبي ولا دليل على هاتين المقدمتين، ويجب التثبت في ذلك نفيا وإثباتا، فإن كان
هذا نبيا، واسمه عزير فقد وافق صاحب التوراة في الاسم.
((وبالجملة)) فنحن وكل عاقل نقطع ببراءة التوراة التي أنزلها الله على كليمه
موسى من هذه الأكاذيب، والمستحيلات، والترهات، كما نقطع ببراءة صلاة موسى، وبني
إسرائيل معه من هذا الذي يقولونه في صلاتهم اليوم، فإنهم في العشر الأول من
المحرم في كل سنة يقولون في صلاتهم ما ترجمته: ((يا أبانا، املك على جميع أهل
الأرض، ليقول كل ذي نسمة الله إله إسرائيل قد ملك ومملكته في الكل متسلطة)).
ويقولون فيها أيضا:((وسيكون لله الملك، وفي ذلك اليوم يكون الله واحدا واسمه
واحد)) ويعنون بذلك: أنه لا يظهر كون الملك له، وكونه واحدا إلا إذا صارت
الدولة لهم، فأما ما دامت الدولة لغيرهم فإنه تعالى خامل الذكر عند
الأمم مشكوك في وحدانيته، مطعون في ملكه، ومعلوم قطعا أن موسى ورب موسى بريء من
هذه الصلاة براءته من تلك الترهات.
اليهود كذبوا مسيح الهدى وينتظرون مسيح الضلال
(فصل) جحدهم بنبوة محمد نظير جحدهم نبوة المسيح
وجحدهم
نبوة محمد من الكتب التي بأيديهم نظير ((جحدهم نبوة المسيح)) وقد صرحت باسمه،
ففي نص التوراة:((لا يزول الملك من آل يهوذا، والراسم من بين ظهرانيهم إلى أن
يأتي المسيح)) وكانوا أصحاب دولة حتى ظهر المسيح فكذبوه، ورموه بالعظائم،
وبهتوه وبهتوا أمه، فدمر الله عليهم وأزال ملكهم، وكذلك قوله: ((جاء الله من
طور سيناء، وأشرق من ساعير، واستعلن من جبال فاران)) فأي نبوة أشرقت من ساعير
غير نبوة المسيح، وهم لا ينكرون ذلك، ويزعمون أن قائما يقوم فيهم من ولد داود
النبي إذا حرك شفتيه بالدعاء مات جميع الأمم ولا يبقى إلا اليهود.
وهذا
((المنتظر)) بزعمهم هو المسيح الذي وعدوا به، قالوا: ومن علامة مجيئه أن الذئب
والتيس يربضان معا، وأن البقرة والذئب يرعيان معا، وأن الأسد يأكل التبن
كالبقر، فلما بعث الله المسيح كفروا به عند مبعثه، وأقاموا ينتظرون متى يأكل
الأسد التبن حتى تصح لهم علامة مبعث المسيح، ويعتقدون أن هذا المنتظر متى جاءهم
يجمعهم بأسرهم إلى القدس، وتصير لهم الدولة، ويخلو العالم من غيرهم، ويحجم
الموت عن جنابهم المنيع مدة طويلة.
وقد
عوضوا من الإيمان بالمسيح ابن مريم بانتظار مسيح الضلالة الدجال، فإنه هو الذي
ينتظرونه حقا، وهم عسكره وأتبع الناس له، ويكون لهم في زمانه شوكة ودولة، إلى
أن ينزل مسيح الهدى ابن مريم، فيقتل منتظرهم، ويضع هو أصحابه فيهم السيوف حتى
يختبئ اليهودي وراء الحجر والشجر، فيقولان:
يا
مسلم هذا يهودي ورائي، تعال فاقتله، فإذا نظف الأرض منهم، ومن عباد الصليب،
فحينئذ يرعى الذئب والكبش معا، ويربضان معا، وترعى البقرة والذئب معا، ويأكل
الأسد التبن، ويلقي الأمن في الأرض.
هكذا
أخبر به شعيا في نبوته، وطابق خبره ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم في
الحديث الصحيح: في خروج الدجال، وقتل المسيح ابن مريم له، وخروج يأجوج ومأجوج
في أثره، ومحقهم من الأرض، وإرسال البركة والأمن في الأرض حتى ترعى الشاة
والذئب، وحتى أن الحيات والسباع لا تضر الناس.
فصلوات
الله وسلامه على من جاء بالهدى والنور، وتفصيل كل شيء وبيانه، فأهل الكتاب
عندهم عن أنبيائهم حق كثير لا يعرفونه ولا يحسنون أن يضعوه مواضعه، ولقد أكمل الله سبحانه بمحمد صلوات الله وسلامه عليه ما أنزله على الأنبياء عليهم
السلام من الحق وبينه وأظهره لأمته، وفصل على لسانه ما أجمله لهم وشرح ما رمزوا
إليه، فجاء بالحق، وصدق المرسلين، وتمت نعمة الله على عباده المؤمنين.
فالمسلمون واليهود والنصارى تنتظر مسيحا يجيء في آخر الزمان، فمسيح اليهود هو
الدجال، ومسيح النصارى لا حقيقة له، فإنه عندهم إله وابن إله وخالق ومميت ومحي.
فمسيحهم الذي ينتظرونه هو المصلوب المسمر المكلل بالشوك بين اللصوص، والمصفوع
الذي هو مصفعة اليهود، وهو عندهم رب العالمين وخالق السموات والأرضين.
ومسيح
المسلمين الذي ينتظرونه هو عبد الله ورسوله وروحه، وكلمته ألقاها إلى مريم
العذراء البتول عيسى ابن مريم، أخو عبد الله ورسوله محمد بن عبد الله، فيظهر
دين الله وتوحيده، ويقتل أعداءه عباد الصليب الذين اتخذوه وأمه إلهين من دون
الله، وأعداءه اليهود الذين رموه وأمه بالعظائم فهذا هو الذي ينتظره المسلمون،
وهو نازل على المنارة الشرقية بدمشق، واضعا يديه لى منكبي ملكين، يراه الناس
عيانا بأبصارهم نازلا من السماء.
فيحكم
بكتب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وينفذ ما أضاعه الظلمة والفجرة
والخونة من دين رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويحي ما أماتوه، وتعود الملل
كلها في زمانه ملة واحدة وهي ملته وملة أخيه محمد وملة أبيهما إبراهيم وملة
سائر الأنبياء، وهي الإسلام الذي من يبتغي غيره دينا فلن يقبل منه وهو في
الآخرة من الخاسرين.
وقد
حمل رسول الله صلى الله عليه وسلم من أدركه من أمته السلام، وأمره أن يقرئه
إياه منه، فأخبر عن موضع نزوله بأي بلد وبأي مكان منه، وبحاله وقت نزوله،
وملبسه الذي كان عليه.
وأنه
((ممصرتان)) أي: ثوبان وأخبر بما يفعل عند نزوله مفصلا حتى كأن المسلمين
يشاهدونه عياناً قبل أن يروه، وهذا من جملة الغيوب التي أخبر بها فوقعت مطابقة
لخبره حذو القذة بالقذة، فهذا منتظر المسلمين لا منتظر المغضوب عليهم والضالين،
ولا منتظر إخوانهم من الروافض المارقين.
وسوف
يعلم المغضوب عليهم إذا جاء منتظر المسلمين أنه ليس بابن يوسف النجار، ولا هو
ولد زنية، ولا كان طبيبا حاذقا ماهرا في صناعته استولى على العقول بصناعته، ولا
كان ساحرا ممخرقا، ولا مكنوا من صلبه وتسميره وصفعه وقتله؛ بل كانوا أهون على
الله من ذلك.
ويعلم
الضالون أنه ابن البشر، وأنه عبد الله ورسوله ليس بإله ولا ابن إله، وأنه بشر
بنبوة محمد أخيه أولا، وحكم بشريعته ودينه آخرا، وأنه عدو المغضوب عليهم
والضالين.
وولي
رسول الله وأتباعه المؤمنين، وما كان أولياؤه الأرجاس الأنجاس عبدة الصلبان،
والصور المدهونه في الحيطان، إن أولياءه إلا الموحدون عباد الرحمن أهل
الإسلام والإيمان، الذين نزهوه وأمه عما رماهما به أعداؤهما اليهود، ونزهوا
ربه، وخالقه، ومالكه، وسيده، عما رماه به أهل الشرك، والسب للواحد المعبود.
الفصل
الثامن [التغيير في ألفاظ الكتب]
فلنرجع
إلى الجواب على طريق من يقول:((إنهم غيروا ألفاظ الكتب وزادوا ونقصوا)) كما
أجبنا على طريق من يقول:((إنما غيروا معانيها وتأولوها على غير تأويلها)).
قال
هؤلاء: نحن لا ندعي ولا طائفة من المسلمين أن ألفاظ كل نسخة في العالم غيرت
وبدلت؛ بل من المسلمين من يقول: أنه غير بعض ألفاظها قبل مبعث رسول الله صلى
الله عليه وسلم، وغيرت بعض النسخ بعد مبعثه، ولا يقولون: أنه غيرت كل نسخة في
العالم بعد المبعث؛ بل غير البعض وظهر عند كثير من الناس تلك النسخ المغيرة
المبدلة دون التي لم تبدل، والنسخ التي لم تبدل موجودة في العالم.
ومعلوم
أن هذا مما لا يمكن نفيه والجزم بعدم وقوعه؛ فإنه لا يمكن أحدا أن يعلم أن كل
نسخة في العالم على لفظ واحد بسائر الألسنة ومن الذي أحاط بذلك علما وعقلا؟ !
أهل الكتاب يعلمون أن أحدا لا يمكنه ذلك.
وأما
من قال من المسلمين: أن التغيير وقع في أول الأمر فإنهم قالوا: أنه وقع أولا من
عازر الوراق، في ((التوراة)) في بعض الأمور إما عمدا وإما خطأ، فإنه لم يقم
دليل على عصمته، ولا أن تلك الفصول التي جمعها من التوراة بعد احتراقها هي عين
التوراة التي أنزلت على موسى، وقد ذكرنا أن فيها ما لا يجوز نسبته إلى الله
وأنه أنزله على رسوله وكليمه، وتركنا كثيرا لم نذكره.
التناقضات في الإنجيل
وأما
((الإنجيل)) فهي أربعة أناجيل أخذت عن أربعة نفر، اثنان منهم لم يريا المسيح
أصلا، واثنان رأياه واجتمعا به، وهما: متى ويوحنا، وكل منهم يزيد وينقص، ويخالف
إنجيله إنجيل أصحابه في أشياء، وفيها ذكر القول ونقيضه كما فيه أنه قال: ((إن
كنت أشهد لنفسي فشهادتي غير مقبولة؛ ولكن غيري يشهد لي)).
وقال
في موضع آخر:((إن كنت أشهد لنفسي فشهادتي حق لأني أعلم من أين جئت وإلى أين
أذهب)).
وفيه
أنه لما استشعر بوثوب اليهود عليه قال:((قد جزعت نفسي الآن فماذا أقول؟ ! يا
أبتاه، سلمني من هذا الوقت، وأنه لما رفع على خشبة الصلب صاح صياحا عظيما،
وقال: يا إلهي!لم أسلمتني؟ !)).
فكيف
يجتمع هذا مع قولكم: إنه هو الذي اختار إسلام نفسه إلى اليهود ليصلبوه،
ويقتلوه، رحمة منه بعباده حتى فداهم بنفسه من الخطايا، وأخرج بذلك آدم،
ونوحا، وإبراهيم، وموسى، وجميع الأنبياء من جهنم بالحيلة التي دبرها على إبليس؟
!!
وكيف
يجزع إله العالم من ذلك، وكيف يسأل السلامة منه وهو الذي اختاره ورضيه؟ !
وكيف
يشتد صياحه ويقول: ((يا إلهي لم أسلمتني)) وهو الذي أسلم نفسه؟ !
وكيف
لم يخلصه أبوه مع قدرته على تخليصه، وإنزال صاعقة على الصليب، وأهله أم كان ربا
عاجزا مقهورا مع اليهود؟ !
وفيه
أيضا: ((أن اليهود سألته أن يظهر لهم برهانا أنه المسيح فقال: تهدمون هذا البيت
- يعني بيت المقدس - وأبنيه لكم في ثلاثة أيام، فقالوا له: بيت مبني في خمس
وأربعين سنة تبنيه أنت في ثلاثة أيام)).
ثم
ذكرتم في الإنجيل أيضا:((أنه لما ظفرت به اليهود، وحمل إلى بلاط عامل قيصر،
واستدعيت عليه بينة أن شاهدي زور جاءا إليه، وقالا: سمعناه يقول: أنا قادر على
بنيان بيت المقدس في ثلاثة أيام))
فيالله
العجب كيف يدعي أن تلك المعجزة والقدرة له ويدعي أن الشاهدين عليه بها شاهدا
زور؟ !!
وفيه
أيضا للوقا: ((أن المسيح قال لرجلين من تلامذته: اذهبا إلى الحصن الذي
يقابلكما، فإذا دخلتماه فستجدان فلوا مربوطا لم يركبه أحد، فحلاه وأقبلا به
إلي)).
وقال
في إنجيل متى في هذه القصة:((أنها كانت حمارة متبعة)).
وفيه
أنه قال:((لا تحسبوا أني قدمت لا صلح بين أهل الأرض، لم آت لصلاحهم، لكن لألقي
المحاربة بينهم؛ إنما قدمت لأفرق بين المرء وابنه، والبنت وأمها، حتى يصير
أعداء المرء أهل بيته)).
ثم فيه
أيضا: ((إنما قدمت لتحيوا، وتزدادوا خيرا، وأصلح بين الناس)).
وأنه
قال: ((من لطم خدك اليمين فانصب له الآخر)).
وفيه
أيضا أنه قال: ((طوبا لك يا شمعون رأس الجماعة، وأنا أقول إنك ابن الحجر وعلى
هذا الحجر تبني بيعتي، فكلما أحللته على الأرض يكون محللا في السماء، وما عقدته
على الأرض يكون معقودا في السماء)).
ثم فيه
بعينه بعد أسطر يقول له: ((اذهب يا شيطان، ولا تعارض فإنك جاهل)) فكيف يكون
شيطان جاهل مطاع في السموات.
وفي
الإنجيل نص:((أنه لم تلد النساء مثل يحيى)).
هذا في
إنجيل متى، وفي إنجيل يوحنا؟ ! ((أن اليهود بعثت إلى يحيى من يكشف عن أمره،
فسألوه من هو، أهو المسيح؟ قال: لا، قالوا: نراك إلياس؟ قال: لا، قالوا: أنت
نبي؟ قال: لا، قالوا: أخبرنا من أنت؟ قال: أنا صوت مناد المفاوز)) ولا يجوز
لنبي أن ينكر نبوته فإنه يكون مخبرا بالكذب.
ومن
العجب أن في إنجيل متى نسبة المسيح إلى أنه ابن يوسف، فقال: عيسى بن يوسف بن
فلان، ثم عد إلى إبراهيم الخليل تسعة وثلاثين أبا.
ثم
نسبه لوقا أيضا في إنجيله إلى يوسف، وعد منه إلى إبراهيم نيفا وخمسين أبا،
فبينا هو إله تام إذ صيروه ابن الإله، ثم جعلوه ابن يوسف النجار؟ !
تواطؤ اليهود والنصارى على تغيير بعض النسخ غير
ممتنع من مثالب النصارى
والمقصود أن هذا الاضطراب في ((الإنجيل)) يشهد بأن التغيير وقع فيه قطعا، ولا
يمكن أن يكون ذلك من عند الله؛ بل الاختلاف الكثير الذي فيه يدل على أن ذلك
الاختلاف من عند غير الله، وأنت إذا اعتبرت نسخه ونسخ التوراة التي بأيدي
اليهود، والسامرة، والنصارى، رأيتها مختلفة اختلافا يقطع من وقف عليه بأنه من
جهة التغيير والتبديل، وكذلك نسخ ((الزبور)) مختلفة جدا.
ومن
المعلوم أن نسخ التوراة والإنجيل إنما هي عند رؤساء اليهود والنصارى، وليست عند
عامتهم، ولا يحفظونها في صدورهم كحفظ المسلمين للقرآن، ولا يمتنع على الجماعة
القليلة التواطؤ على تغيير بعض النسخ، ولا سيما إذا كان بقيتهم لا يحفظونها،
فإذا قصد طائفة منهم تغيير نسخة أو نسخ عندهم أمكن ذلك، ثم إذا تواطؤا على أن
لا يذكروا ذلك لعوامهم وأتباعهم أمكن ذلك.
وهذا
واقع في العالم كثيرا، فهؤلاء اليهود تواطئوا وتواصوا بكتمان نبوة المسيح، وجحد
البشارة به، وتحريفها، واشتهر ذلك بين طائفتهم في الأرض مشارقها ومغاربها،
وكذلك تواطئوا على أنه كان طبيبا ساحرا ممخرقا ابن زانية، وتواصوا به مع رؤيتهم
الآيات الباهرات التي أرسل بها، وعلمهم أنه أبعد خلق الله مما رمي به، وشاع ما
تواطئوا عليه، وملؤا به كتبهم شرقا وغربا.
وكذلك
تواطئوا على أن لوطا نكح ابنتيه وأولدهما أولادا، وشاع ذلك فيهم جميعهم،
وتواطئوا على أن الله ندم وبكى على الطوفان وعض أنامله، وصارع يعقوب فصرعه
يعقوب، وأنه راقد عنهم، وأنهم يسألونه أن ينتبه من رقدته وشاع ذلك في جميعهم.
وكذلك
تواطئوا على فصول لفقوها بعد زاول مملكتهم يصلون بها لم تعرف عن موسى، ولا عن
أحد من أتباعه، كقولهم في صلاتهم:((اللهم اضرب ببوق عظيم لعتقنا، واقبضنا جميعا
من أربعة أقطار الأرض إلى قدسك، سبحانك، يا جامع تشتيت قوم إسرائيل)).
وقولهم
فيها: ((أردد حكامنا منا كالأولين، وسيرتنا كالابتداء، وابن أورشليم قرية قدسك
في أيامنا وأعزنا ببنائها، سبحانك، يا باني أورشليم)) ولم يكن موسى وقومه
يقولون في صلاتهم شيئا من ذلك، وكذلك تواطؤهم على قولهم في صلاتهم أول العام ما
حكيناه عنهم.
وكذلك
تواطؤهم على شرع صوم إحراق بيت المقدس، وصوم حصا، وصوم كدليا، وفرضهم ذلك، وصوم
صلب هامان، وقد اعترفوا بأنهم زادوها لأسباب اقتضتها، وتواطؤا بذلك على مخالفة
ما نصت عليه التوراة من قوله: ((لا تزيدوا على الأمر الذي أنا موصيكم به شيئا،
ولا تنقصوا منه شيئا)) فتواطؤا على الزيادة والنقصان، وتبديل أحكام الله، كما
تواطؤا على تعطيل فريضة الرجم على الزاني وهو في التوراة نصا.
وكذلك
تواطؤهم على امتناع النسخ على الله فيما شرعه لعبادة تمسكا منهم
باليهودية، وقد أكذبتهم التوراة وسائر النبوات.
ومن
العجائب: حجرهم على الله أن ينسخ ما شرعه لئلا يلزم البداء، ثم يقولون: أنه ندم
وبكي على الطوفان، وعاد في رأيه، وندم على خلق الإنسان، وهذه مضارعة لإخوانهم
من النصارى الذين نزهوا رهبانهم عن الصاحبة والولد، ثم نسبوهما إلى الفرد
الصمد.
ومن
ذلك تواطؤهم على أن الملك يعود إليهم، وترجع الملل كلها إلى ملة اليهودية،
ويصيرون قاهرين لجميع أهل الملل.
ومن
ذلك تواطؤهم على تعطيل أحكام التوراة وفرائضها، وتركها في جل أمورهم إلا اليسير
منها، وهم معترفون بذلك، وأنه أكبر أسباب زوال ملكهم وعزهم.
فكيف
ينكر من طائفة تواطأت على تكذيب المسيح، وجحد نبوته، وبهته وبهت أمه، والكذب
الصريح على الله، وعلى أنبيائه، وتعطيل أحكام الله، والاستبدال بها، وعلى قتلهم
أنبياء الله أن تتواطأ على تحريف بعض التوراة، وكتمان نعت محمد رسول الله صلى
الله عليه وسلم وصفته فيها.
(فصل) إقامة الحجة على أهل الكتاب
وأما
اليهود، وعباد الصليب والصور والمزوقة في الحيطان، وشاتموا خالقهم ورازقهم أقبح
شتم، وجاعلوه مصفعة اليهود، وتواطؤهم على ذلك، وعلى ضروب المستحيلات وأنواع
الأباطيل.
فلا
إله إلا الله الذي أبرز للوجود مثل هذه الأمة ... وخلى بينهم وبين سبه وشتمه،
وتكذيب عبده ورسوله، ومعاداة حزبه وأوليائه، وموالاة الشيطان، والتعوض بعبادة
الصور والصلبان عن عبادة الرحمن الرحيم.
وعن
قول "الله أكبر" بالتصليب على الوجه، وعن قراءة (الحمد لله رب العالمين، الرحمن
الرحيم، مالك يوم الدين) بـ (اللهم أعطنا خبزنا الملائم لنا)، وعن السجود
للواحد القهار، بالسجود للصور المدهونة في الحائط بالأحمر والأصفر واللازورد.
هذا
بعض شأن هاتين الأمتين اللتين عندهما آثار النبوة والكتاب، فما الظن بسائر
الأمم الذين ليس عندهم من النبوة والكتاب حس ولا خبر ولا عين ولا أثر.
قول السائل: هل أتى ابن سلام... بالنسخ
الصحيحة؟
(فصل) الرد على من طالب بالنسخ الصحيحة
قال
السائل: إن قلتم أن عبد الله بن سلام، وكعب الأحبار، ونحوهما، شهدوا لنا بذلك
من كتبهم، فهلا أتى ابن سلام وأصحابه الذين أسلموا بالنسخ التي لهم كي تكون
شاهدة علينا، والجواب من وجوه:
(أحدها)
أن
شواهد النبوة وآياتها لا تنحصر فيما عند أهل الكتاب من نعت النبي صلى الله عليه
وسلم وصفته، بل آياتها وشواهدها متنوعة متعددة جدا، ونعته وصفته في الكتب
المتقدمة فرد من أفرادها، وجمهور أهل الأرض لم يكن إسلامهم عن الشواهد
والأخبار التي في كتبهم، وأكثرهم لا يعلمونها ولا سمعوا بها.
بل
أسلموا للشواهد التي عاينوها، والآيات التي شاهدوها، وجاءت تلك الشواهد التي
عند أهل الكتاب مقوية عاضدة من باب تقوية البينة، وقد تم النصاب بدونها.
فهؤلاء
العرب من أولهم إلى آخرهم لم يتوقف إسلامهم على معرفة ما عند أهل الكتاب من
الشواهد، وإن كان ذلك قد بلغ بعضهم وسمعه منهم قبل النبوة وبعدها، كما كان
الأنصار يسمعون من اليهود صفة النبي صلى الله عليه وسلم ونعته، ومخرجه.
فلما
عاينوه وأبصروه عرفوه بالنعت الذي أخبرهم به اليهود فسبقوهم إليه، فشرق أعداء
الله بريقهم وغصوا بمائهم.
وقالوا: ليس هو الذي كنا نعدهم به، فالعلم بنبوة محمد، والمسيح، وموسى صلوات
الله وسلامه عليهم، لا يتوقف على العلم بأن من قبلهم أخبر بهم، وبشر بنبوتهم،
بل طرق العلم بها متعددة فإذا عرفت نبوة النبي صلى الله عليه وسلم بطريق من
الطرق ثبتت نبوته، ووجب اتباعه، وإن لم يكن من قبله بشر به،
فإذا
علمت نبوته بما قام عليها من البراهين: فإما أن يكون تبشير من قبله به لازما
لنبوته، وإما أن لا يكون لازما، فإن لم يكن لازما لم يجب وقوعه، ولا يتوقف
تصديق النبي عليه بل يجب تصديقه بدونه، وإن كان لازما علم قطعا أنه قد وقع،
وعدم نقله إلينا لا يدل على عدم وقوعه إذ لا يلزم من وجود الشيء نقله العام،
ولا الخاص.
وليس
كلما أخبر به موسى والمسيح، وغيرهما من الأنبياء المتقدمين وصل إلينا وهذا مما
يعلم، بالاضطرار فلو قدر أن البشارة بنبوته صلى الله عليه وسلم ليست في الكتب
الموجودة بأيديكم لم يلزم أن لا يكون المسيح وغيره بشروا به، بل قد يبشرون ولا
ينقل.
ويمكن
أن يكون في كتب غير هذه المشهورة المتداولة بينكم، فلم يزل عند كل أمة كتب لا
يطلع عليها إلا بعض خاصتهم فضلا عن جميع عامتهم، ويمكن أنه كان في بعضها فأزيل
منه وبدل ونسخت النسخ من هذه التي قد غيرت، واشتهرت بحيث لا يعرف غيرها، وأخفي
أمر تلك النسخ الأولى.
وهذا
كله ممكن، لا سيما من الأمة التي تواطأت على تبديل دين نبيها وشريعته، هذه كله
على تقدير عدم البشارة به في شيء من كتبهم أصلا.
ونحن
قد ذكرنا من البشارات به التي في كتبهم ما لا يمكن لمن له أدنى معرفة منهم جحده
والمكابرة فيه، وإن أمكنهم المغالطة بالتأويل عند رعاعهم وجهالهم.
الوجه
الثاني
أن عبد
الله بن سلام قد قابل اليهود، وأوقفهم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم
على أن ذكره، ونعته، وصفته في كتبهم، وأنهم يعلمون أنه رسول الله صلى الله عليه
وسلم، وقد شهدوا بأنه أعلمهم، وابن أعلمهم، وخيرهم وابن خيرهم، فلم يضر قولهم
بعد ذلك: أنه شرهم، وابن شرهم، وجاهلهم، وابن جاهلهم.
كما
إذا شهد على رجل شاهد عند الحاكم، فسأله عنه فعدله، وقال: إنه مقبول الشهادة
عدل، رضي لا يشهد إلا بالحق، وشهادته جائزة علي، فلما أدى الشهادة قال:
إنه كاذب شاهد زور، ومعلوم أن هذا لا يقدح في شهادته.
وأما
كعب الأحبار فقد ملأ الدنيا من الأخبار بما في النبوات المتقدمة من البشارة به،
وصرح بها بين أظهر المسلمين، واليهود، والنصارى، وأذن بها على رؤوس الملأ،
وصدقه مسلموا أهل الكتاب عليها، وأقروه على ما أخبر به، وأنه كان أوسعهم علما
بما في كتب الأنبياء.
وقد
كان الصحابة يمتحنون ما ينقله، ويزنونه بما يعرفون صحته، فيعلمون أصدقه، وشهدوا
له بأنه أصدق الذين يحكون لهم عن أهل الكتاب، أو من أصدقهم.
ونحن
اليوم ننوب عن عبد الله بن سلام، وقد أوجدنا كم هذه البشارات في كتبكم، فهي
شاهدة لنا عليكم، والكتب بأيديكم فأتوا بها فاتلوها إن كنتم صادقين، وعندنا ممن
وفقه الله للإسلام منكم من يواقفكم، ويقابلكم، ويحاققكم عليها، وإلا فاشهدوا
على أنفسكم بما شهد الله، وملائكته، وأنبيائه، ورسله، وعباده المؤمنون به،
عليكم من الكفر والتكذيب، والجحد للحق، ومعاداة الله ورسوله.
(الوجه
الثالث)
أنه لو
أتاكم عبد الله بن سلام بكل نسخة متضمنة لغاية البيان والصراحة، لكان في بهتكم،
وعنادكم، وكذبكم، ما يدفع في وجوهها ويحرفها أنواع التحريف ما وجد إليه سبيلا،
فإذا جاءكم بما لا قبل لكم به، قلتم: ليس هو، ولم يأت بعد، وقلتم: نحن لا نفارق
حكم التوراة، ولا نتبع نبي الأميين.
وقد
صرح أسلافكم الذين شاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعاينوه، أنه رسول
حقا، وأنه المبشر به، الموعود به، على ألسنة الأنبياء المتقدمين، وقال من قال
منهم في وجهه: نشهد أنك نبي فقال: ((ما يمنعك من اتباعي))؟ قال: إنا نخاف أن
يقتلنا يهود.
وقد
قال تعالى: (إن الذي حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون، ولو جاءتهم كل آية حتى يروا
العذاب الأليم)، وقد جاءكم بآيات هي أعظم من بشارات الأنبياء به وأظهر، بحيث أن
كل آية منها يصلح أن يؤمن على مثلها البشر، فما زادكم ذلك إلا نفورا، وتكذيبا،
وإباء لقبول الحق، فلو نزل الله إليكم ملائكته، وكلمكم الموتى، وشهد له بالنبوة
كل رطب ويابس، لغلبت عليكم الشقوة وصرتم إلى ما سبق لكم في أم الكتاب.
وقد
رأى من كان أعقل منكم وأبعد من الحسد من آيات الأنبياء ما رأوا، وما زادهم ذلك
إلا تكذيبا وعنادا، فأسلافكم وقدوتكم في تكذيب الأنبياء من الأمم، لا يحصيهم
إلا الله حتى كأنكم تواصيتم بذلك أوصى به الأول للآخر، واقتدى فيه الآخر بالأول
قال تعالى:
(كذلك
ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون أتواصوا به بل هم قوم
طاغون)، وهبنا ضربنا عن إخبار الأنبياء المتقدمين به صفحا، أفليس في الآيات
والبراهين التي ظهرت على يديه ما يشهد بصحة نبوته؟ !
وسنذكر
منها بعد الفراغ من الأجوبة طرفاً يقطع المعذرة، ويقيم الحجة والله المستعان.
(فصل) الرد على من قال بعدم كفر هاتين الأمتين
قال
السائل:((إنكم نسبتم الأمتين العظيمتين المذكورتين إلى اختيار الكفر على
الإيمان للغرض المذكور، فابن سلام وأصحابه أولى بذلك الغرض، لأنهم قليلون جداً،
وأضداده كثيرون لا يحصيهم عدد)) والجواب من وجوه:
(أحدها)
إنا قد
بينا أن جمهور هاتين الأمتين المذكورتين آمن به، وصدقه، وقد كانوا ملء الأرض
وهذه الشام ومصر وما جاورهما، واتصل بهما من أعمالها، والجزيرة والموصل
وأعمالهما، وأكثر بلاد المغرب، وكثير من بلاد المشرق، كانوا كلهم نصارى.
فأصبحت
هذه البلاد كلها مسلمين، فالمتخلف من هاتين الأمتين عن الإيمان به أقل القليل
بالإضافة إلى من آمن به وصدقه، وهؤلاء عباد الأوثان كلهم أطبقوا على الإسلام،
إلا من كان منهم في أطراف الأرض بحيث لم تصل إليه الدعوة، وهذه أمة المجوس
توازي هاتين الأمتين كثرة، وشوكة، وعددا، دخلوا في دينه، وبقي من بقي منهم كما
بقيتم أنتم تحت الذلة والجزية.
(الثاني)
إنا قد
بينا أن الغرض الحامل لهم على الكفر ليس هو مجرد المأكلة ولا رياسة فقط، وإن
كان من جملة الأغراض؛ بل منهم من حمله ذلك.
ومنهم
من حله الحسد.
ومنهم
من حمله الكبر.
ومنهم
من حمله الهوى.
ومنهم
من حمله محبة الآباء، والأسلاف وحسن الظن بهم.
ومنهم
من حمله ألفه للدين الذي نشأ عليه، وجبل بطبعه، فصار انتقاله عنه كمفارقة
الإنسان ما طبع عليه.
وأنت
ترى هذه السبب كيف هو الغالب المستولي على أكثر بني آدم في إثارهم ما اعتادوه
من المطاعم، والمشارب، والملابس، والمساكن، والديانات، على ما هو خير منه وأوفق
بكثير.
منهم
من حمله التقليد والجهل، وهم الأتباع الذين ليس لهم علم.
ومنهم
من حمله الخوف من فوات محبوب أو حصول مرهوب، فلم تنسب هاتين الأمتين إلى الغرض
المذكور وحده.
(الثالث)
إنا قد
بينا أن الأمم الذين كانوا قبلهم كانوا أكثر عددا، وأغزر عقولا منهم، وكلهم
اختاروا العمى على الهدى، والكفر على الإيمان بعد البصيرة، فلهاتين الأمتين سلف
كثير وهم أكثر الخلق.
(الرابع)
أن عبد
الله بن سلام، وذويه، إنما أسلموا في وقت شدة من الأمر، وقلة من المسلمين وضعف،
وحاجة، وأهل الأرض مطبقون على عداوتهم، واليهود والمشركين هم أهل الشوكة،
والعدة، والحلقة، والسلاح، ورسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه إذ ذاك قد
أووا إلى المدينة، وأعداؤهم يتطلبونهم في كل وجه، وقد بذلوا الرغائب لمن جاءهم
بهم.
فخرج
رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصاحبه، وخادمهما، فاستخفوا ثلاثا في
غار تحت الأرض.
ثم
خرجوا بعد ثلاث على غير الطريق إلى أن قدموا المدينة، والشوكة، والعدد، والعدة
فيها لليهود والمشركين.
فأسلم
عبد الله بن سلام حين مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، لما رأى أعلام
النبوة التي كان يعرفها وشاهدها فيه، وترك الأغراض التي منعت المغضوب عليهم من
الإسلام، من الرياسة، والمال، والجاه بينهم، وقد شهدوا له كلهم عند رسول الله
صلى الله عليه وسلم أنه رئيسهم، وخيرهم، وسيدهم، فعلم أنهم إن علموا بإسلامه
أخرجوه من تلك الرياسة والسيادة، فأحب أن يعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم
بذلك، فقال:
أدخلني
بعض بيوتك، وسلهم عني، ففعل، وسألهم عنه، فأخبروه أنه: سيدهم، ورئيسهم،
وعالمهم، فخرج عليهم وذكرهم، وأوقفهم على أنهم يعلمون أنه رسول الله، وقابلهم
بذلك، فسبوه، وقدحوا فيه، وأنكروا رياسته، وسيادته، وعلمه.
فلو
كان عبد الله بن سلام ممن يؤثر عرض الدنيا، والرياسة، لفعل كما فعله اليهود،
وهكذا شأن من أسلم من اليهود حينئذ، وأما المتخلفون فكثير منهم صرح بغرضه
لخاصته وعامته، وقال:
إن
هؤلاء القوم قد عظمونا ورأسونا، ومولونا فلو اتبعناه لنزعوا ذلك كله منا، وهذا
قد رأيناه نحن في زماننا، وشاهدناه عيانا، ولقد ناظرت بعض علماء النصارى معظم
يوم، فلما تبين له الحق بهت، فقلت له وأنا وهو خاليين: ما يمنعك الآن من اتباع
الحق؟
فقال
لي: إذا قدمت على هؤلاء الحمير - هكذا لفظه - فرشوا لنا الشقاق تحت حوافر
دابتي، وحكموني في أموالهم، ونسائهم، ولم يعصموني فيما آمرهم به، وأنا لا أعرف
صنعه، ولا أحفظ قرآنا، ولا نحوا، ولا فقها، فلو أسلمت لدرت في الأسواق أتكفف
الناس، فمن الذي يطيب نفسا بهذا؟ !
فقلت:
هذا لا يكون، وكيف تظن بالله أنك إذا آثرت رضاه على هواك يخزيك، ويذلك، ويحوجك؟
!
ولو
فرضنا أن ذلك أصابك فما ظفرت به من الحق، والنجاة من النار، ومن سخط الله
وغضبه، فيه أتم العوض عما فاتك! فقال: حتى يأذن الله، فقلت: القدر لا يحتج به،
ولو كان القدر حجة لكان حجة لليهود على تكذيب المسيح، وحجة للمشركين على تكذيب
الرسل، ولا سيما أنتم تكذبون بالقدر، فكيف تحتج به؟ ! فقال: دعنا الآن من هذا
وأمسك.
(الخامس)
أن
جوابك في نفس سؤالك، فإنك اعترفت أن عبد الله بن سلام وذويه كانوا قليلين جدا،
وأضدادهم لا يحصون كثرة، ومعلوم أن الغرض الداعي لموافقة الجمهور الذين لا
يحصون كثرة، وهم أولو القوة، والشوكة، أقوى من الغرض الداعي لموافقة الأقلين
المستضعفين والله الموفق.
السَّابِق
الفهرس
التّالي |