|
الواسِطة بين الحَقِّ والخَلق
أنواع الوسائط
المردودة
:
وفي القرآن الكريم من الرد على هؤلاء ما لم تتسع له هذه الفتوى
، فإن الوسائط التي بين الملوك وبين الناس يكونون على أحد وجوه ثلاثة .
الوجه الأول :
إما لإخبارهم من أحوال الناس بما لا يعرفونه ، ومن قال إن الله
لا يعلم أحوال عباده حتى يخبره بذلك بعض الملائكة أو الأنبياء أو غيرهم فهو
كافر ، بل هو سبحانه يعلم السر وأخفى ولا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في
السماء وهو السميع البصير ، يسمع ضجيج الأصوات باختلاف اللغات على تفنن الحاجات
، لا يشغله سمع عن سمع ولا تغلطه المسائل ولا يتبرم بإلحاح الملحين .
الوجه الثاني :
أن يكون الملك عاجزاً عن تدبير رعيته ودفع أعدائه إلا بأعوان يعينونه ، فلابد
له من أنصار وأعوان لذله وعجزه ، والله سبحانه ليس له ظهير ولا ولي من الذل ،
قال الله تعالى : (قُلِ
ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ
ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ
شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ) .
وقال تعالى : (وَقُلِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ
فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ
تَكْبِيراً)
.
وكل ما في الوجود من الأسباب فهو خالقه وربه ومليكه فهو الغني
عن كل ما سواه ، وكل ما سواه فقير إليه ، بخلاف الملوك المحتاجين إلـى ظهرائهم
وهم في الحقيقة شركاؤهم في الملك ، والله تعالى ليس له شريك في الملك ، بل لا
إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير .
والوجه الثالث :
أن يكون الملك ليس مريداً لنفع رعيته والإحسان إليهم ورحمتهم
إلا بمحرك يحركه من خارج ، فإذا خاطب الملك من ينصحه ويعظمه أو من يدل بحيث
يكون يرجوه ويخافه تحركت إرادة الملك وهمته في قضاء حوائج رعيته ، إما لما حصل
في قلبه ن كلام الناصح الواعظ المشير ، وإما لما يحصل من الرغبة أو الرهبة من
كلام المدل عليه ، والله تعالى هو رب كل شئ ومليكه ، وهو أرحم بعباده من
الوالدة بولدها ، وكل الأشياء إنما تكون بمشيئته ، فما شاء كان وما لم يشأ لم
يكن ، وهو إذا أجرى نفع العباد بعضهم على بعض : فجعل هذا يحسن إلى هذا ويدعو له
ويشفع فيه ونحو ذلك ، فهو الذي خلق ذلك كله ، وهو الذي خلق في قلب هذا المحسن
الداعي الشافع إرادة الإحسان والدعاء والشفاعة .
لا يجوز أن يكون في الوجود من يكرهه على خلاف مراده ، أو يعلمه
ما لم يكن يعلم ، أو من يرجوه الرب ويخافه .
ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا يقولن أحدكم اللهم
أغفر لي أن شئت ، اللهم أرحمني إن شئت ، ولكن ليعزم المسألة فإنه لا مكره له) .
والشفعاء الذين يشفعون عنده : لا يشفعون إلا بإذنه ، كمال قال :
(مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ) .
وقال الله تعالى : (وَلا
يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى) .
وقال الله تعالى : (قُلِ
ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ
ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ
شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ
عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ)
.
فبين أن كل من دُعي من دونه : ليس له ملك ولا شرك في الملك ولا
هو ظهير ، وأن شفاعتهم لا تنفع إلا لمن أذن له .
وهذا بخلاف الملوك فإن الشافع عندهم قد يكون له ملك ، وقد يكون
شريكاً لهم في الملك ، وقد يكون مظاهراً لهم معاوناً لهم على ملكهم .
وهؤلاء يشفعون عند الملوك بغير إذن الملوك هم وغيرهم ، والملك
يقبل شفاعتهم تارة بحاجته إليهم ، وتارة لخوف منهم ، وتارة لجزاء إحسانهم إليه
ومكافأتهم وإنعامهم عليه ، حتى إنه يقبل شفاعة ولده وزوجته ، لذلك فإنه محتاج
إلى الزوجة والى الولد ، حتى لو أعرض عنه ولده وزوجته لتضرر بذلك ، ويقبل شفاعة
مملوكة ، فإذا لم يقبل شفاعته يخاف أن لا يطيعه ، أو أن يسعى في ضرره ، وشفاعة
العباد بعضهم عند بعض كلها من هذا الجنس ، فلا يقبل أحد شفاعة أحد إلا لرغبة أو
رهبة ، والله تعالى لا يرجو أحداً ، ولا يخافه ولا يحتاج إلى أحد ، بل هو الغني
، قال الله تعالى : (أَلا
إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ
الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا
الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ)
. إلى قوله تعالى : (قَالُوا
اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي
السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ)
.
والمشركون يتخذون شفعاء من جنس ما يعدونه من الشفاعة .
قال الله تعالى : (وَيَعْبُدُونَ
مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ
هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا
يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا
يُشْرِكُونَ)
.
وقال تعالى : (فَلَوْلا
نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَاناً آلِهَةً بَلْ
ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ)
.
وأخبر عن المشركين أنهم قالوا : (مَا
نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى)
.
قال الله تعالى: (وَلا
يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً
أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)
.
السَّابِق
الفهرس
التّالي |