|
الواسِطة بين الحَقِّ والخَلق
الشفاعة الباطلة والصحيحة :
قال الله تعالى : (قُلِ
ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ
عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً * أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى
رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ
وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً)
.
فأخبر أن ما يُدعى من دونه لا يملك كشف ضر ولا تحويله ، وأنهم
يرجون رحمته ويخافون عذابه ، ويتقربون إليه ، فهو سبحانه قد نفى ما للملائكة
والأنبياء إلا الشفاعة بإذنه ، والشفاعة هي الدعاء ، ولا ريب أن دعاء الخلق
بعضهم لبعض نافع والله قد أمر بذلك .
لكن الداعي الشافع ليس له أن يدعو ويشفع إلا بإذن الله له في
ذلك ، فلا يشفع شفاعة نُهي عنها ، كالشفاعة للمشركين والدعاء لهم بالمغفرة .
قال تعالى : (مَا
كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ
وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ
أَصْحَابُ الْجَحِيمِ * وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأبِيهِ إِلَّا
عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ
لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ)
.
وقال تعالى في حق المنافقين : (سَوَاءٌ
عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ
اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ)
.
وقد ثبت في الصحيح أن الله نهى نبيه عن الاستغفار للمشركين
والمنافقين وأخبر أنه لا يغفر لهم كما في قوله تعالى : (إِنَّ
اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ
يَشَاءُ)
.
وقوله تعالى : (وَلا
تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ
إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ)
.
وقد قال تعالى : (ادْعُوا
رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ)
– في الدعاء - ، ومن الاعتداء في الدعاء أن يسأل العبد ما لم يكن الرب ليفعله
مثل : أن يسأله منازل الأنبياء وليس منهم ، أو المغفرة للمشركين ونحو ذلك ، أو
يسأله ما فيه معصية الله كإعانته على الكفر والفسوق والعصيان .
فالشفيع هو الذي أذن الله له في الشفاعة : وشفاعته في الدعاء
الذي ليس فيه عدوان ، ولو سأل أحدهم دعاء لا يصلح له لا يقر عليه ، فإنهم
معصومون أن يقروا على ذلك ، كما قال نوح عليه السلام : (إِنَّ
ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ
الْحَاكِمِينَ)
.
قال الله تعالى : (قَالَ
يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا
تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ
الْجَاهِلِينَ * قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ
لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ
الْخَاسِرِينَ)
.
وكل داع شافع دعا الله سبحانه وتعالى وشفع ، فلا يكون دعاؤه
وشفاعته إلا بقضاء الله وقدره ومشيئته ، وهو الذي يجيب الدعاء ويقبل الشفاعة ،
فهو الذي خلق السبب والمسبب ، والدعاء من جملة الأسباب التي قدرها الله سبحانه
وتعالى .
السَّابِق
الفهرس
التّالي |