|
الواسِطة بين الحَقِّ والخَلق
مقدار الأسباب :
وإذا كان كذلك فالالتفات إلى الأسباب شرك
(
في التوحيد ، ومحو الأسباب أن تكون أسباباً نقص في العقل ، والإعراض عن الأسباب
بالكلية قدح في الشرع
بل العبد يجب أن يكون توكله ودعاؤه وسؤاله ورغبته إلى الله
سبحانه وتعالى ، والله يقدر له من الأسباب من دعاء الخلق وغيرهم ما شاء الله .
الدعاء
المشروع والشفاعة :
والدعاء مشروع أن يدعو الأعلى للأدنى والأدنى للأعلى ، فطلب
الشفاعة والدعاء من الأنبياء كما كان المسلمون يستشفعون بالنبي صلى الله عليه
وسلم في الاستسقاء ، ويطلبون منه الدعاء ، بل وكذلك بعده استسقى عمر والمسلمون
بالعباس عمه ، والناس يطلبون الشفاعة يوم القيامة من الأنبياء ، ومحمد صلى الله
عليه وسلم ، وهو سيد الشفعاء ، وله شفاعات يختص بها ، ومع هذا فقد ثبت في
الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل
ما يقول ، ثم صلوا عليّ فإنه من صلى عليّ صلى الله عليه عشراً ، ثم سلوا الله
لي الوسيلة ، فإنها درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله ، وأرجو أن
أكون ذلك العبد ، فمن سأل الله لي الوسيلة حلت له الشفاعة) .
(وقد قال لعمر لما أراد أن يعتمر وودعه ، يا أخي لا تنسني من
دعائك) .
فالنبي صلى الله عليه وسلم قد طلب من أمته أن تدعو له ، ولكن
ليس ذلك من باب سؤالهم ، بل أمره بذلك لهم كأمره لهم بسائر الطاعات التي يثابون
عليها مع أنه صلى الله عليه وسلم له مثل أجورهم في كل ما يعلمونه ، فإنه قد صح
عنه أنه قال : ( من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك
من أجورهم شيئاً ، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا
ينقص ذلك من آثامهم شيئاً ) .
وهو داعي الأمة إلى كل هدى فله مثل أجورهم في كل ما اتبعوه فيه
، وكذلك إذا صلوا عليه فإن الله يصلي على أحدهم عشراً ، وله مثل أجورهم مع ما
يستجيبه من دعائهم له ، فذلك الدعاء قد أعطاهم الله أجرهم عليه ، وصار ما حصل
له به من النفع نعمة من الله عليه .
وقد ثبت عنه في الصحيح أنه قال : (ما من عبد مسلم يدعو لأخيه
بظهر الغيب بدعوة إلا وكّلَ الله به ملكاً كلما دعا لأخيه بدعوة قال الملك
الموكّلُ به آمين ولك مثل ذلك ) .
وفي حديث آخر : ( أسرع الدعاء دعوة غائب لغائب) .
فالدعاء للغير ينتفع به الداعي والمدعو له ، وإن كان الداعي دون
المدعو له ، فدعاء المؤمن لأخيه ينتفع به الداعي والمدعو له ، فمن قال لغيره
أدعُ لي وقصد انتفاعهما جميعاً بذلك كان هو وأخوه متعاونين علـى البر والتقوى ،
فهو نبه المسئول وأشار عليه بما ينفعهما .
والمسئول فعل ما ينفعهما بمنزلة من يأمر غيره ببر وتقوى ،
فيُثاب المأمور على فعله ، والآمر أيضاً يثاب مثل ثوابه لكونه دعا إليه ، لا
سيما ومن الأدعية ما يؤمر بها العبد كما قال الله تعالى : (وَاسْتَغْفِرْ
لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ)
.
فأمره بالاستغفار ثم قال : (وَلَوْ
أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ
وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً)
.
فذكر سبحانه استغفارهم واستغفار الرسول لهم إذ ذاك مما أمر به
الرسول حيث أمره أن يستغفر للمؤمنين والمؤمنات ، ولم يأمر الله مخلوقاً أن
يسأل مخلوقاً شيئاً لم يأمر الله المخلوق به ، بل ما أمر الله العبد أمر إيجاب
أو استحباب ، ففعله هو عبادة لله وطاعة وقربة إلى الله ، وصلاح لفاعله وحسنة
فيه ، وإذا فعل ذلك كان أعظم لإحسان الله إليه وإنعامه عليه ، بل أجل نعمة أنعم
الله بها على عباده أن هداهم للإيمان .
والإيمان قول وعمل يزيد بالطاعة والحسنات ، وكلما ازداد العبد
عملاً للخير ازداد إيمانه ، هذا هو الإنعام الحقيقي المذكور في قوله تعالى :
(صِرَاطَ
الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ)
.
وفي قوله تعالى : (وَمَنْ
يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ
عَلَيْهِمْ)
.
السَّابِق
الفهرس
التّالي |