|
الواسِطة بين الحَقِّ والخَلق
نعم الدنيا والدين :
بل
نعم الدنيا بدون الدين هل من نعمة أم لا ؟
فيه
قولان مشهوران للعلماء من أصحابنا وغيرهم .
والتحقيق أنها نعمة من وجه ، وإن لم يكن نعمة تامة من وجه ، وأما الإنعام
بالدين الذي ينبغي طلبه فهو ما أمر الله به من واجب ومستحب ، فهو الخير الذي
ينبغي طلبه باتفاق المسلمين ، وهو النعمة الحقيقية عند أهل السنة إذ عندهم أن
الله هو الذي أنعم بفعل الخير ، والقدرية عندهم إنما أنعم بالقدرة عليه الصالحة
للضدين فقط ، والمقصود هنا أن الله لم يأمر مخلوقاً أن يسأل مخلوقاً إلا ما كان
مصلحة لذلك المخلوق ، إما واجباً أو مستحباً ، فإنه سبحانه لا يطلب من العبد
إلا ذلك ، فكيف يأمر غيره أن يطلب منه غير ذلك ؟
بل
حرم على العبد أن يسأل العبد ماله إلا عند الضرورة ، وإن كان قصده مصلحة
المأمور أو مصلحته ومصلحة المأمور ، فهذا يثاب على ذلك ، وإن كان قصده حصول
مطلوبة من غير قصد منه لانتفاع المأمور فهذا من نفسه أتي .
ومثل هذا السؤال لا يأمر الله به قط ، بل قد نهى عنه إذ هذا السؤال محض للمخلوق
من غير قصده لنفعه ولا لمصلحته ، والله يأمرنا أن نعبده ونرغب إليه ويأمرنا أن
نحسن إلى عباده .
وإذا لم يقصد لا هذا ولا هذا فلم يقصد الرغبة إلى الله ودعائه وهو الصلاة ، ولا
قصد الإحسـان إلى الخلق الذي هو الزكاة ، وإن كان العبد قد لا يأثم بمثل هذا
السؤال ، لكن فرق ما بين ما يؤمر به العبد وما يؤذن له فيه ، ألا ترى أنه قال
في حديث السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب أنهم لا يسترقون .
وإن كان الاسترقاء جائزاً ، وهذا قد بسطناه في غير هذا الموضع .
السَّابِق
الفهرس
التّالي |