|
ساد ظلام أرجاء السماء مدَّ البَصَر، واختفت شمس العصر تماماً خلف
السُّحُب الدَّاكِنَة السَّواد، الَّتي تهدر برعد كصوت ألف مارد
غاضب. واستمر هطول الأمطار كثيفة كحمم بركان في قمَّة ثورته، تعمي
أبصار راكبي السفينة الخشبيَّة الضخمة متمزِّقة الأشرعة. وزأرت
الأمواج الدَّاكِنة كَيَدَيّ عملاق يستجمع قواه قبل أن يضرب
السفينة بكل عزم. وسُمِعَت صرخة رجل كانت لتهز الأفق لو لم تكن
الطبيعة في قمة ثورتها، حين أفلتت أصابعه الحبال التي تمسَّك بها
لتمنعه من الإنجراف إلى الماء، فغاب بين أنياب من موج يغلي من
برودته. وزاد إرتجاف المسافرين على ظهر السفينة حتى بلغت قلوبهم
حناجرهم خشية أن يصيبهم ما أصاب سابقهم. فوقفوا بين متضرِّع لله
ومستغيث وذاهل، وقد باتت النهاية قريبة وسيوف من الريح تشُقُّ
أشرعة الجبل الخشبي العائم. صفعت موجة عارمة جنب السفينة وسطحها،
فأزَّت ألواحها بصريرٍ وهي توشك أن تتفكَّك، ومالت بشدَّة قبل أن
تعتدل مرَّة أخرَى ببطء شديد.
وتشبَّث الرجال الثلاثين بالسفينة بكل قواهم، مبتعدين أكثر عن
أسوارها التي استمرَّت الأمواج تضربها، محاولة دفع راكبيها نحو
فُوَّهة مائيَّة عملاقة تسحب كل ما تطال إلى قاع لا قرار له.
واستمرّ فيض الأمواج كالجبال يرفع السفينة حتى يظن من فيها أنَّهم
بالِغون عنان السَّماء، ثم يُلقي بهم من علٍ حتى يشعرون أنَّهم
ساقِطون في غيابة جُبٍّ سحيق. ومن بين الرِّجال الطَّافين بين حياة
وموت، كان (تميم الدَّاريُّ) كالباقين يتشبَّث بالحياة ويغالب بجهد
جهيد شعوراً عميقاً يدعوه للإستسلام.
-
لا فائدة. لا مَفَرَّ ولا مَنْجَى مِن هذا الإعصار.
ثم تملَّكه حنق شديد فصرخ:
-
لماذا يا إلهي؟ لنا شهر في هذا الجحيم. ولقد دعوناك ورجوناك
ونذَرنا لك. إن كنت قد صُلِبت لتُكَفِّر عنَّا خطايانا وإنَّا من
أهل الملكوت، فما الحكمة من كل هذا؟ إن كنت تريد موتنا فعَجِّل،
لكن كُفَّ عن التلاعب بنا.
وانهار يبكي وينشج حتى كادت الشمس تغرب تماماً. وبينما هو كذلك، إذ
بصرخة تدوي في أُذُنيه:
-
الأرض!
ثم ساد سكون شامل حتى بدى أن العاصفة نفسها قد هدأت. ونظر الرجال
غير مصدِّقين إلى هذه الجزيرة التي بدت فجأة كأنَّما انشقَّ البحر
عنها. وتلفَّت الرِّجال لبعضهم كأنَّما كل منهم يسأل الآخر عن كون
ما يرَى حقيقة أم سراباً. ثم انطلقوا إلى مُوَجِّه الدَّفَّة
يديرونها بكل ما تبقَّى لهم من قوَّة، مديرين مُقَدِّم السفينة نحو
تلك الجزيرة، ويشُدُّ بعضهم من أزر بعض. وأخيراً حتى بلغوها وقد
أظلمت الدُّنيا تماماً. وإرتًمى الرِّجال على أرض الجزيرة غير
مُصدِّقين نجاتهم بعد أن أيقنوا بالهلاك، ولم يقوَ أحدهم على
النُّهوض فراحوا جميعاً في سُبات عميق.
في الصَّباح التَّالي شعُر (تميم) بوهج الشمس على وجهه، فأظلَّ
عيناه بيده وفتحهما ببطء، فإذا بالشمس قد توسَّطَت كبِد السَّماء.
وتلفَّت حوله بإعياء ليرى من نجَى معه من الرِّجال بين مستلْقٍ
ومُتَّكئ. وكان الجهد قد نال منهم جميعاً، فأغلق (تميم) عينيه
محاولاً نيل المزيد من الراحة قبل أن يُضطرَّ للنهوض واستكشاف
الجزيرة مع الباقين. وبينا هو كذلك، إذ به يجفل فجأة وهو يسمع صرخة
مدوية من جهة اليسار، وسمع رجلاً يقول:
-
ويلك! ما أنت؟!
إلتفت (تميم) نحو مصدر الصَّوت بسرعة، فرأى منظراً أفزعه أيّما
فزع. فقد وقف إبن عمّه (طلحة) مُستنداً إلى جزع نخلة، مادَّاً يده
أمامه كأنَّما يدفع عن نفسه أذىً، بينما ينهض باقي الرِّجال عن
الأرض وقد إرتسم الرُّعب على الوجوه. وهناك، على بُعد خطوات قليلة
منهم وقف كائن كأغرب ما وقعت عليه عين. كان شيئاً غطَّاه الشَّعر
من قمَّة رأسه إلى أخمص قدميه، حتى لم يُعرَف وجهه من دُبُره. وقد
وقف هناك بلا حراك كأنَّما يدرس هؤلاء الدُخَلاء.
إقترب (تميم) في حذر شديد من (طلحة) والكائن، الذي خرج منه صوت
أغرب من شكله وهو يجيب:
-
أنا الجسَّاسة.
فسمع (تميم) نفسه يتكلَّم دون وعي منه ويقول:
-
وما الجسَّاسة؟ّ
وبالرَّغم من شعر تلك الدَّابَّة الذي أخفَى ملامحها تماماً، إلا
أن (تميم) شعر بها كأنَّما امتعضت، ثم تجاهلت سؤاله وقالت:
-
أيُّها القوم! إنطلقوا إلى هذا الرَّجُل في الدِّير، فإنَّه إلى
خَبَركم بالأشواق.
وأشارت بيدها نحو بناء لم يكن أحدهم قد فطِن إلى وجوده من قبل.
همس (طلحة) لـ (تميم):
-
إنها شيطانة. لابد أن تكون كذلك.
شعر (تميم) بالرَّجفة تسري في أوصاله، وتساءل أين طارت البقيَّة
الباقية من نومه. وإنسحب بحذر بطيء مع القوم صوب البناء الذي أشارت
إليه وهم وَجِلون لا يكادون يديرون أبصارهم عنها، وزادوا من سرعتهم
حتَّى وصلوا إليه. ووقف الرِّجال ينظرون إلى البناء الذي يثير
الرَّهبة في القلوب. بدا لهم قديم قِدَم الخَلْق نفسه، وإن كان
واضحاً أنَّه معْنِيٌّ به حتى ليظن النَّاظر إليه أنَّه كأنَّما
إنتُهِيَ من بنائه اليوم.
قاوم (تميم) رهبته، وسار حثيثاً مجتازاً باب الدِّير ومن خلفه
(طلحة) وبقيَّة الرِّجال عن كثَب. دلفوا إلى حجرة صغيرة مضاءة بنور
لا يكاد المرء يتبيَّن مصدره. ضوء خافت يبث الضِّيق في النَّفس،
ولو أنَّه يتيح رؤية واضحة لكل معالم الغرفة. وشعر (تميم) بضيق في
صدره. لقد كان الضَّوء. كان يرى بوضوح بسببه، ومع هذا فقد كان
يُضْفي على النَّفس ظُلْمة داخليَّة. لم يكن يفهم حقاً ما يشعر به.
لماذا يُشعره هذا الضَّوء بكل هذا الخوف؟ ما كانت هذه الدَّابة
الَّتي سمَّت نفسها بالجسَّاسة؟ وأين هذا الرَّجُل الَّذي أشارت
إليه؟ ثم لماذا هو خائف من هذا الضَّوء؟
راحت عشرات الأفكار تتخبَّط جُنُبات عقله. وتلفَّت حواليه ليجد
نظرة مماثلة ترتسم على وجوه من حوله، والجميع يتأمَّلون المكان
حولهم في حذر وخوف. ثم سمع صوت (طلحة) يقول:
-
لا أشعر بالرَّاحة في هذا المكان.
ردَّ عليه آخر قائلاً:
-
أنت على حق. هذا المكان هو أغرب ما رأيت. أرى أن نعود أدراجنا.
فالتفت إليهما ثالث وقال:
-
نعود؟ إلامَ نعود؟ وما أدراك أن هذه الجسَّاسة ليست في إنتظار
عودتنا؟
همَّ الرَّجل بقول شيء حينما إنفتح فجأة باب في طرف الغرفة بصريرٍ
مكنوم مهيب، بدى واضحاً أنَّه يؤدِّي إلى داخل الدِّير. نظر الجميع
نحوه في إنتظار من يخرج لهم من الباب، ثُمَّ زادت دهشتهم وخوفهم
عندما لم يحدث شيء! قال (تميم) وهو يتلفَّت حوله:
-
لا أرى إلا أن ندخل.
فنظر له الرَّجل بقلق وهمَّ بقول شيء آخر، لكنَّه آثر الصَّمت.
فبداخله كان هناك ما يدعوه إلى الدُّخول. كأنَّه نداء خفيٌّ تصعب
مقاومته. نداء يجذبه بالرَّغم من كل الخوف الَّذي يملأ صدره، والذي
يشعر أنَّه سيتضاعف عشرات المرَّات ما إن يلقي نظرة واحدة خلف هذا
الباب.
إجتمع الرِّجال وتقاربوا، ودخلوا بتردُّد من الباب. وما إن وطأت
قدما (تميم) الغرفة التي يؤدِّي إليها الباب حتى إحتبست داخله صيحة
هي مزيج من الدَّهشة والذُّعر. ووقف فاغراً فاه يتأمَّل المكان
الَّذي دلف إليه. لقد كانوا يقفون في قاعة عظيمة الإتِّساع، مرتفع
سقفها كأنَّما ليطاول السِّحاب. وبدت الجدران الصَّخريَّة للقاعة
كأنَّما هي محفورة في جبل عظيم لا وجود له في الواقع. وكان المكان
كلّه مُضاء بنور أحمر مخيف لا مصدر له. لكنَّ أكثر ما أثار دهشتهم
وذعرهم حقاً كان ما رأَوا في وسط هذه القاعة. فهناك، كان عملاقاً
ضخماَ إلى درجة لا تُصَدَّق. نظر (تميم) إليه فارتطم بصره بجسدٍ
كأنَّما قُدَّ من الصَّخر، مما بدا لائقاً تماماً مع ما يحيط به،
ويرتدي أثمالاً بَدَت في قدم الدِّير نفسه. كان العملاق واقفاً في
منتصف القاعة وهو موثق كأشد ما يكون الوثاق، وقد جُمِعت يداه إلى
عُنُقِه بسلاسل عملاقة تكاد تخفي جسده، وتنزل إلى رُكبَتَيْه
لتلتفَّ حولهما حتى تصل إلى كعبيه. كان منظره مفزعاً إلى درجة
جمَّدت الرِّجال في أماكنهم وألجَمَت ألْسِنَتِهِم. وكان زفيره
كزَفْر جحيم مُتَأَجِّج، وله عين معطوبة، بينما تنطق الأُخْرَى
بأَجَلّ معاني القسوة والشَرّ.
وأخيراً تمالك (تميم) نفسه فصاح:
-
ويلك! ما أنت؟!
إلتفت المارد جهتهم سريعاً كأنَّما ينتبه لوجودهم للمرَّة الأولى،
ومضى وقت طويل وهو يتأمَّلَهم الواحد تلو الآخر، قبل أن يخرج صوته
وكأنَّه نابعٌ من بئر سحيق قائلاً:
-
قد قدرتم على خَبَري.
فأخبروني، ما أنتم؟
إبتلع (تميم) لعابه بصوت مسموع، وقال ببطء حذِر:
-
نحن أُناس من العرب، ركبنا في سفينة بحريَّة فصادفَنا البحر حين
اغتلم.
فلعب بنا الموج شهراً، ثم أرفأنا
إلى جزيرتك هذه.
وحكى له (تميم) قصَّة مقابلتهم الجسَّاسة، وكيف أنَّها أشارت إليهم
بالقُدوم للدّير ومقابلته. فسألَهم المارد بشغف:
-
أخبروني عن نخل بيسان.
قال (طلحة):
-
عن أي شأنها تستخبر؟
فقال المارد:
-
أسألكم عن نخلها. هل يثمر؟
رد (طلحة) بإستغراب:
-
نعم!
زمجر المارد وأشاح بوجهه كأنَّما أصابته خيبة الأمل:
-
أما إنَّه يوشك ألَّا تُثمر.
ثم إلتفت إليهم ثانية وقال:
-
أخبروني عن بحيرة الطبرية.
فسأل (طلحة):
-
عن أي شأنها تستخبر؟
قال المارد:
-
هل فيها ماء؟
رد (طلحة):
-
هي كثيرة الماء!
زمجر المارد مرَّة أخرى وقال:
-
أما إن ماءها يوشك أن يذهب. أخبروني عن عين زغر.
سأل (طلحة) مرَّة أخرى:
-
عن أي شأنها تستخبر؟
سأل المارد:
-
هل في العين ماء؟ وهل يزرع أهلها بماء العين؟
رد (طلحة):
-
نعم هي كثيرة الماء. وأهلها يزرعون من مائها.
كان (تميم) في هذه الأثناء يتأمَّل المارد بدهشة عارمة، بشعره
الجعد الكثيف وجِلده الأحمر وعيناه اللَّتان لم يدر أيُّهما تخيفه
أكثر. ءالعين المعطوبة قبيحة المظهر، أم الأخرى التي تظهر من الشر
ما لم ير من قبل. وفكَّر (تميم) في نفسه:
-
تُرى ما سبب كل تلك الأسئلة الغريبة التي يسألها ذلك الشيء
القبيح؟!
إلتفت المارد إليه فجأة ونظر إليه نظرة شرٍّ وكُرهٍ عظيمين، حتى
كاد (تميم) يقسم أنَّه قد سمع أفكاره دون أن تفارق عقله. وحدَّق به
المارد برهة ثم قال دون أن يحوِّل عيناه عن عيني (تميم):
-
أخبروني عن نبيّ الأمِّيِّين.
ما فعل؟
فعجب (تميم) في قرارة نفسه كيف عرف مثل هذا الشيء الموثق منذ عقود
عديدة كما هو بادٍ عليه بأمر نبيِّ الأُمِّيِّين، لكنَّه أجاب:
-
قد خرج من مكَّة ونزل يثرب.
تلاشى الغضب دفعة واحدة من وجه المارد وحلَّ محلَّه الإهتمام
الشَّديد وهو يسأل:
-
أقاتَلَه العرب؟
قال (تميم):
-
نعم.
فسأل بلهفة:
-
كيف صنع بهم؟
فأجاب (تميم):
-
قد حاربهم وظهر على من يليه من العرب وأطاعوه.
قال بلهفة وإهتمام عظيمين:
-
قد كان ذلك؟
فاندهش (تميم) من سؤاله وقال:
-
نعم!
فكأنَّما إعتدل المارد في وقفته قبل أن يقول:
-
أما إن ذلك خير لهم أن يطيعوه.
ثم تبدَّلَت نبرة صوته وأردف بزهو:
-
وإني مخبركم عنِّي. إنِّي أنا المسيح.
قالها بصوت إرتجفت له أوصالهم كما لم يحدث من قبل، وبدا كأن عينه
العوراء ستخرج من مكانها بينما ضاقت عينه السَّليمة وبدا الشرُّ
فيها بأكمل صُوَرِه وهو يُكمِل:
-
وإنِّي أوشك أن يؤذن لي في الخروج فأخرج. فأسير في الأرض، فلا أدع
قرية إلا هبطتها في أربعين ليلة غير مكة وطيبة، فهما مُحرَّمتان
عليََّ كلتاهما.
وبدت المرارة في صوته ممزوجة بالغضب وهو يقول:
-
كلَّما أردت أن أدخل واحدة منهما إستقبلني مَلَك بيده السيف صلتاً
يصُدَّني عنها. وإن على كلِّ نقب منها ملائكة يحرسونها.
ثم هزَّ رأسه كأنَّما ينفض عنها فكرة حزينة، وبدَى على قسماته
كأنَّما يسترجع فكرة إستيلائه على الأرض. فنظر بقسوة إلى الرجال
الذَّاهلين المرتعدين أمامه، ثم إرتجَّت الجدران الصخريَّة بصدى
ضحكاته حتَّى كاد البناء يسقط على رؤوسهم وهم يفِرُّون مبتعدين عنه
بذعر.
****
|