|
ذِي
القَرْنَيْن
لا نعلم قطعا من هو ذو
القرنين. كل ما يخبرنا القرآن عنه أنه ملك صالح، آمن
بالله وبالبعث وبالحساب، فمكّن
الله له في الأرض، وقوّى ملكه، ويسر له فتوحاته.
و عند كثر من العلماء هو نبي الله الخضر، و هو ملك نبي.
بدأ ذو القرنين التجوال
بجيشه في الأرض، داعيا إلى الله. فاتجه غربا، حتى وصل
للمكان الذي تبدو فيه الشمس
كأنها تغيب من وراءه. وربما يكون هذا المكان هو شاطئ المحيط
الأطلسي، حيث كان يظن
الناس ألا يابسة وراءه، أو هو فى غرب
الولايات المتحدة الآن. فأوحى الله إليه أنه مالك أمر
القوم الذين يسكنون
هذه الديار، فإما أن يعذبهم
أو أن يحسن إليهم.
فما كان من الملك
الصالح، إلا أن وضّح منهجه في الحكم. فأعلن أنه سيعاقب
المعتدين الظالمين في
الدنيا، ثم حسابهم على الله يوم القيامة. أما من آمن، فسيكرمه
ويحسن إليه.
بعد أن انتهى ذو القرنين من أمر الغرب، توجه للشرق. فوصل لأول
منطقة تطلع عليها
الشمس. وكانت أرضا مكشوفة لا أشجار فيها ولا مرتفات تحجب الشمس عن
أهلها. فحكم ذو القرنين في المشرق بنفس حكمه في المغرب،
ثم انطلق.
وصل ذو
القرنين في رحلته، لقوم يعيشون بين جبلين أو سدّين بينهما فجوة.
وكانوا يتحدثون
بلغتهم التي يصعب فهمها، حتى أنه فى بعض الروايات إحتاج
ذو القرنين إلى سلسلة من المترجمين بلغت 38 مترجما، ليترجموا من لغته إلى لغتهم.
وعندما وجدوه ملكا قويا طلبوا منه أن يساعدهم في صد يأجوج
ومأجوج بأن يبني لهم سدا لهذه الفجوة، مقابل خراج من
المال يدفعونه له.
و يأجوج و مأجوج أمتين من نسل آدم عليه الصلاة و السلام، و خروجهما عند أكثر
العلماء هو آخر علامات الساعة الصغرى.
فوافق الملك الصالح على بناء السد، لكنه زهد في مالهم، واكتفى
بطلب مساعدتهم في
العمل على بناء السد وردم الفجوة بين الجبلين.
استخدم ذو
القرنين وسيلة هندسية مميزة لبناء السّد،
مما يدل على مبلغ العلم الذى أنعم الله به عليه. فقام
أولا بجمع قطع الحديد ووضعها في
الفتحة حتى تساوى الركام مع قمتي الجبلين. ثم أوقد النار على
الحديد، حتى إذا احمر تماما،
سكب عليه قطرا (نحاسا مذابا)
ليلتحم وتشتد صلابته. فسدّت الفجوة، وانقطع الطريق على يأجوج ومأجوج،
فلم يتمكنوا من هدم السّد ولا تسوّره. وأمن القوم
الضعفاء من شرّهم.
بعد أن
انتهى ذو القرنين من هذا العمل الجبار، نظر للسّد، وحمد الله
على نعمته، وردّ الفضل
والتوفيق في هذا العمل لله سبحانه وتعالى، فلم تأخذه العزة، ولم
يسكن الغرور قلبه.
و كان عليه السلام من المتوكلين على الله فى كل عمل.
يقول سيّد قطب رحمه الله: "وبذلك تنتهي هذه الحلقة من سيرة ذي
القرنين. النموذج الطيب للحاكم الصالح. يمكنه الله في
الأرض, وييسر له الأسباب; فيجتاح
الأرض شرقا وغربا، ولكنه لا
يتجبر ولا يتكبر، ولا يطغى
ولا يتبطر، ولا يتخذ
من الفتوح وسيلة للغنم المادي، واستغلال الأفراد
والجماعات والأوطان, ولا يعامل
البلاد المفتوحة معاملة الرقيق،
ولا يسخر أهلها في أغراضه وأطماعه.. إنما ينشر
العدل في كل مكان يحل به, ويساعد المتخلفين, ويدرأ عنهم
العدوان دون مقابل. ويستخدم
القوة التي يسرها الله له في التعمير والإصلاح, ودفع
العدوان وإحقاق الحق. ثم يرجع
كل خير يحققه الله على يديه إلى رحمة الله وفضل الله, ولا ينسى
وهو في إبان سطوته
قدرة الله وجبروته, وأنه راجع إلى الله." (في ظلال القرآن).
أما ماهيّة
يأجوج ومأجوج، وموطنهم وصفتهم، فالأحاديث فيها كثيرة، ومنها ما
هو صحيح ومنها ما هو
مرفوع وغير ذلك. لذا نتوقف عن الخوض في هذا الموضوع.
قال تعالى:
(فَوَجَدَا عَبْدًا
مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا
عِلْمًا {65} قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا
عُلِّمْتَ رُشْدًا {66} قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا {67}
وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا {68} قَالَ سَتَجِدُنِي إِن
شَاء اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا {69} قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي
فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا {7} فَانطَلَقَا
حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ
أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا {71} قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن
تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا {72} قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا
تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا {73} فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا
فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ
شَيْئًا نُّكْرًا {74} قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِي
صَبْرًا {75} قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ
بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْرًا {76} فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ
قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا
جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ
عَلَيْهِ أَجْرًا {77} قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ
بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا {78} أَمَّا السَّفِينَةُ
فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا
وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا {79} وَأَمَّا
الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا
طُغْيَانًا وَكُفْرًا {80} فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا
مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا {81} وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ
لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا
وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا
وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي
ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا {82} وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي
الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْرًا {83} إِنَّا مَكَّنَّا
لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا {84} فَأَتْبَعَ
سَبَبًا{85} حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ
حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَن
تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا {86} قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ
فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُّكْرًا
{87} وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاء الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ
لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا {88} ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا {89} حَتَّى إِذَا بَلَغَ
مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُم مِّن
دُونِهَا سِتْرًا {90} كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا {91}
ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا {92} حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِن
دُونِهِمَا قَوْمًا لَّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا {93} قَالُوا يَا ذَا
الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ
نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا {94}
قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ
بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا {95} آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا
سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ
آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا {96} فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا
اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا {97} قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي فَإِذَا جَاء
وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاء وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا {98}
سورة الكهف (65 إلى 98)
(تمت)
الفهرس
|