|
نحيى هذه الأيام أدق
تطبيق لحديث رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم حين قال: {تكاد تداعَى
عليكم الأُمَم كما تتداعى الأكلة على قصعتها. فسُئِل صلَّى الله عليه
وسلَّم: أَوَمِن قلَّة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: بل أنتم كثير،
ولكن كغُثاء السَّيل}.
فكأنَّه صلَّى الله
عَلَيهِ وَسَلَّم ينظر إلينا اليوم ويرى ما يجري من أحداث كأنَّما يعيش
بيننا. ولا أجد وصفاً أدق لحالنا من حديث رسول الله صَلَّى الله
عَلَيْهِ وَسَلَّم. ولا أدق لوصف سبب حالنا من قولة عمر بن الخطَّاب
رضي الله عنه حين قال قولته الخالدة [نحن قوم قد أعزَّنا الله
بالإسلام. فمهما ابتغينا العزَّة في غيره أذلِّنا الله.]
والأمر لا يحتاج لكثير
تفكير. فإن إنتهجنا منهاج المحللين للأحداث، لوجدنا العرب الرعاة،
الذين وصفهم رستم قائد جيش الفرس بقوله لرسول عمر حين أتاه يعرض عليه
الإسلام: "إنما مثلكم في دخول أرضنا مثل
الذباب رأى العسل فقال من يوصلني إليه وله درهمان؟ فلما سقط عليه غرق
فيه، فجعل يطلب الخلاص، فلم يجده، فجعل يقول من يخلصني وله أربعة
دراهم؟ ومثلكم كمثل ثعلب ضعيف دخل جحرًا في كرم، فلما رآه صاحب الكرم
ضعيفـًا رحمه فتركه، فلما سمن أفسد شيئـًا كثيرًا، فجاء بجيشه، واستعان
عليه بغلمانه، فذهب ليخرجه فلم يستطع لسمنه، فضربه حتى قتله، فهكذا
تخرجون من بلادنا. وقد كنَّا نوكل بكم معشر العرب قُرَى الضَّواحي. وقد
أعلم أن الذي حملكم على هذا معشر العرب الجَهدُ الذي قد أصابكم فارجعوا
عنَّا عامكم هذا، فإنَّكم قد شغلتمونا عن عِمارة بلادنا، وعن عدوّنا،
ونحن نُوفِر لكم ركائبكم قمحـًا وتمرًا، ونأمر لكم بكُسوة، فارجعوا
عنَّا عافاكم الله!"
كان
هذا هو حال العرب قبل الإسلام. وما أنكر الأعرابي على رستم مما قال
شيئاً، بل أقرَّه وزاده في الوصف. أمَّا مقالة عمر رضي الله عنه [نحن
قوم قد أعزَّنا الله بالإسلام. فمهما ابتغينا العزَّة في غيره أذلِّنا
الله]، فكانت حين ذهب لفتح القُدْس الشَّريف. ودخل المدينة يجر بغلته
التي يركب عليها خادمه، والوحل يلوِّث قدميه وملابسه. ولم يكن هذا عن
ضيق ذات اليد. فعمر رضي الله عنه في ذاك الوقت كان يحكم أكبر
إمبراطوريَّة عرفها التاريخ في كل عصوره، وكانت كنوز الأرض تصُبّ في
خزائن الدَّولة الإسلاميَّة. إنما كان موقفه عن فهم لحقائق الأمور. فإن
هو ومن مثله طلبوا الدنيا وزخرفها لما وصلت لأيديهم أبداً.
ثم فلننظر لحال المسلمين
اليوم. تعداد المسلمون وقت كتابة هذا الكلام يربو على المليار
وثلاثمائة مليون مسلم من أصل ستة مليارات إنسان في شتَّى أركان الأرض.
والبلاد التي توصف بأنها إسلاميَّة كثيرة شاسعة الأطراف. ومع هذا فإن
ضعف الدَّولة الإسلاميَّة لا مثيل له في أرجاء الكون. إن مجرد نظرة
واحدة على سياسات تلك الدُّوَل ليوضِّح الفارق بين الدولة الإسلاميَّة
في مهدها والدَّولة الإسلامية بعد 15 قرن من الزَّمان. لقد حالف
المسلمون اليوم كل القوى الدنيويَّة من أمريكا وأوروبا وحتَّى إسرائيل،
إتِّقاء لشرور تلك الدُّوَل. فكانت النتيجة أن أشهدنا الله في أنفسنا
كل ذُلٍّ وهوان بما كسبت أيدينا.
هذا الباب هو محاولة
ضئيلة الحجم لتثبيت الوقائع حتَّى لا تتعرَّض للتزييف كما زُيِّفت
حقائق لا تُحْصَى من قِبَل أعداء الإسلام. والله من وراء القصد.
العودة لفهرس المواضيع |